تأريخ دقيق لتجارب الأمم على مر الأزمنة، ترتبط جلياً بمكونات حياتهم وعناصرها، تتضح عبرها عواطفهم، فرحاً.. سخطاً.. أو استسلاماً لآلام الحياة وعذاباتها... في الأمثال تجتمع غيرة النسوة وتقاعس الرجال.. الفضيلة والرذيلة، الفقر والرخاء ومعان تربوية واجتماعية أخرى تُختزل في كلمات معدودة، هي مدارس مصغرة ومناهج مختصرة، جاءت حسب أهوائنا أو عاكست رغباتنا..

والأمثال طاقة مخزونة تجمع بلاغة الأدباء وسذاجة البسطاء. تدون يومياتهم على ألسنة الحيوانات والجمادات. هي مكتبة البلاغة التي نستعير منها أحاديثنا اليومية. ونتكئ عليها للتأكيد على فكرة تعجبنا أو نبذ سلوك نرفضه. تعرف إليها العرب قديماً ولم يُغفلها القرآن الكريم في أكثر من موضع. فبين بلاغة الكلم وخبرات الشعوب ثمّة دروس في الحياة. ويمكن حصر تعريف المثل في كونه قولاً متداولاً بين الناس، بقصد تشبيه الحال بحال آخر أو حادثة مماثلة. ولعل ما يطيل عمر الأمثال ويجعلها متوارثة على الرغم من بعد الأزمنة التي قيلت فيها، قصرها وبلاغتها. وقدرتها على وصف الحال بأسهل الطرق.

وعزز القرآن الكريم الأهداف التربوية والدينية للأمثال، في قالب بلاغي وأدبي. حيث جاءت بأهداف اعتقادية لتبرهن وجوب توحيد الله وعبادته. والتأكيد على الحقائق الدينية الأخرى كالبعث والحشر والحساب، والتذكير بسنن الله في الأقوام السابقة. وللأمثال في القرآن خصائص كأن تجمع بين معانٍ متفاوتة. وألفاظ موجزة وإعجاز في المعنى.. وبين آيات القرآن هناك ثلاثة وأربعون مثلاً. يتفوق كل منها في البلاغة والوصف على ما جاد به العرب قديماً.

وكما قال تعالى في سورة البقرة كمثل الذي استوقد نارا وفي موضع آخر من السورة فمثله كمثل صفوان .. وهو الحمار. وفي آل عمرانألا: وكنتم على شفا حفرة من النار للدلالة على القرب من الهلاك. ومن الأمثال ما هو دارج الاستخدام في الحياة اليومية. مثل قوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى . وفي موضع آخر من سورة الإسراء قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط للتعبير عن ضرورة اتباع منهج وسط بين الإسراف والتقتير، والتي يُعبر عنها بقول خير الأمور أوسطها .

مفارقة

بالرغم من إيمان البعض بضرورة التسليم بمعاني الأمثال، بل والامتثال لها. باعتبارها تجارب الشعوب عبر الأزمنة. إلا أن البعض منها يحمل في معانيه ما يتعارض مع خبرات أخرى. فيقال أن القرش الأبيض في اليوم الأسود تعزيزاً لمبدأ التحويش . بينما التفاؤل بالغد يحط رحاله في ذات المكان. فيقول بعضهم اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب. فبين القرش الأبيض والجيب الخالي تاهت ثقافة الادخار.. وانكسرت الحصالة.

للأمثال وقع جليّ في التأثير على سلوك الأفراد. والإقناع برسائل إيجابية أو سلبية. بين الدعوة إلى التقاعس والرضوخ للأمر الواقع يتسلل المثل الذي يقول عصفور باليد ولا عشرة على الشجرة وآخر من الثقافة المحلية يرسل إيحاءات مشابهة وشلك بالبحر وأهواله وأرزاق الله على السيف . وآخر يدعو إلى اغتنام الفرص فيقول بيضة اليوم ولا دياية باكر .

تجمع تلك الأمثال في محتواها على أن حصول الإنسان على حاجته في الوقت المناسب وإن قلت، خير من الحصول عليها متأخراً وإن زادت. امممم .. ولكن! هذه دعوة للتمرد على تلك الخبرات. فلك الحق في أن تطمع في عدد أكبر من العصافير.. وخوض غمار البحر للظفر بالصيد الثمين. وانتظار دجاجة الغد، لأنها أسمن.

مقاربة

على اختلاف اللهجات، وتنوّع الخبرات. تبقى التجارب متشابهة. وإن تباينت حروفها وأدوات التعبير عنها. فاللهجات العربية زاخرة بالأمثال الطريفة. حيث عبرت عنها الشعوب في بيئات مختلفة وقعت في شباك المحلية التي كانت سمة سائدة في الأمثال بالرغم من اتحادها في المضمون الذي عالج مفاهيم تربوية واجتماعية. فالدعوة إلى التريث وعدم استباق الأمور عبر عنها إخواننا في بلاد الشام بقول بكره بيدوب التلج وبيبان المرج أما في مصر فالخبر اللي اليوم بفلوس .. بكره يبقى ببلاش .. أما اللهجة المحلية فحصرته في المطبخ وقالت اللي في الجدر يطلعه الملاس أي المغرفة.

وتدعو الأمثال إلى الاستفادة من تجارب الآخرين في قالب أدبي سهل ومختصر. فاللهجة المحلية تحث أبناءها على سلوك الطرق الآمنة حتى لو كانت بعيدة. فتقول سر بعيد وتعال سالم بينما يؤكد ذلك المثل العربي السائد امشي سنه ولا تعدّي قناه . حيث أن الطرق القريبة لا تتسم بالأمان دائماً.

لا يُنصح بتكرار كل ما له علاقة بالتجارب المؤلمة، فالتكلفة باهظة والخسائر عادةً فادحة. في اللهجة المحلية نقول اللي لادغنه الحنيش يتروع من الحبل أي من تعرّض للدغة الأفعى يخاف من الحبل، بينما في مصر اللي يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي .

بيئات

وتُستمد المعاني دائماً من سيدة الكلام، اللغة العربية وإن تعددت لهجاتها. فالمثل العربي يقول من يهن يسهل الهوان عليه بينما البيئة المحلية أفرزت مثلاً من وحي العلاقة القوية بمكونات الحياة اليومية وبذات المعنى من خلا نفسه سبوس كلته الدياي . والسبوس هي حبوب يتناولها الدجاج تتكون من قشرة الأرز.

استمدت اللهجة المحلية بعض أمثالها من الشعر. واستعارت جماليته وبلاغته. فالحب كما يُقال أعمى. والشاعر يقول عين الزعل ما كل شي تشوفه وعين الرضا دايم حديد نظرها .. بينما كان المثل العربي أكثر سخطاً فجاء تعبيراً عن وجوب الحذر من العدو .. فقال حبيبك يبلعلك الزلط وعدوك يتمنالك الغلط ..

تلك رسائل .. وتفاصيل. محكية ومدوّنة على الألسنة. تغوص في بحور اللغة والتجارب. تساندنا حيناً وتخذلنا أحياناً أخرى.. هي بعبارة أخرى بحث في المستور .. ونبش في أحاديث الشعوب.. فكما قال أجدادنا العين ترغب في المغطاي وتعاف شي دوم مكشوف .

أمل الفلاسي