حث رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث على الزهد في الدنيا لأنها كما قال صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء».

وقال صلى الله عليه وسلم «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وزاد في رواية أخرى: « وعد نفسك من أهل القبور» وكان صلى الله عليه وسلم يرغب في الآخرة لأنها هي دار المقر وما الدنيا فيها إلا كما قال صلى الله عليه وسلم «والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم فلينظر بم يرجع» فما الدنيا بالنسبة إلى الآخرة في قصر مدتها وفناء لذاتها ودوام الآخرة ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ازهد في الدنيا يحبك الله».

الزهد في الدنيا هو ترك ما لا يحتاج إليه من الدنيا وإن كان حلالا والاقتصار على الكفاية والورع وترك الشبهات، فللزهد في الدنيا حقيقة وأصل وثمرة. أما حقيقته فهو عزوف النفس عن الدنيا وانزواؤها عنها طوعاً مع القدرة عليه. وأما أصله فهو العلم والنور الذي يشرق في القلب حتى ينشرح به الصدر ويتضح به أن الآخرة خير وأبقى وأن نسبة الدنيا إلى الآخرة أقل من نسبة حصى إلى جوهرة. وأما ثمرته فهي القناعة من الدنيا بقدر الضرورة وهو قدر زاد الراكب. فالأصل نور المعرفة فيثمر حال الانزواء ويظهر على الجوارح بالكف إلا عن قدر الضرورة في زاد الطريق.

والزهد على درجات إحداها أن يزهد ونفسه مائلة إلى الدنيا ولكن يجاهدها وهذا متزهد وليس بزاهد ولكن بداية الزهد التزهد الثانية أن تفر نفسه عن الدنيا ولا تميل إليها لعلمه أن الجمع بينها وبين نعيم الآخرة غير ممكن فتسمح نفسه بتركها كما تسمح نفس من يبذل درهماً ليشتري جوهرة وإن كان الدرهم محبوباً عنده وهذا زهد. الثالثة أن لا تميل نفسه إلى الدنيا ولا تنفر عنها بل يكون وجودها وعدمها عنده بمثابة واحدة ويكون المال عنده كالماء وخزانه الله تعالى كالبحر فلا يلتفت قلبه إليه رغبة ونفوراً . وهذا هو الأكمل لأن الذي يبغض شيئاً فهو مشغول به كالذي يحبه.

لقد ذم الله تعالى الدنيا وزهد فيها في كثير من الآيات وأكثر القرآن مشتمل على ذم الدنيا والزهد فيها وصرف الخلق عنها وترغيبهم في الآخرة ودعوتهم إليها. قال الله تعالى: «زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب* قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد».

رجاء علي