قال الشيخ: قد يقول البعض ما للشيخ لا يرى سببا للبلاء إلا نقص الإيمان، والبلاء قد عم الأرض بساكنيها مؤمنهم وكافرهم، ومنه ما نجم عن عدوان الإنسان على أخيه الإنسان كما أن منه ما نجم عن سوء التنظيم والتخطيط أو عن الكذب والتدليس ونقص الشفافية، فهل الأزمة المالية التي أطاحت ببعض من كبريات الشركات في العالم وهل الأمراض التي تظهر كل يوم وتضرب الناس في بقاع الأرض وهل الحروب التي تحرق الأخضر واليابس وتقتل الناس بالآلاف وهل تلوث البيئة ونقص الغذاء وبلاء الغلاء..
كل هذا ناجم عن ضعف الإيمان أو انعدامه؟ بل لعل الواقع يشهد بعكس ذلك، إذ ان المسلمين اليوم في كل بقاع العالم هم الأكثر فقرا وجهلا واقتتالا وأمراضا بينما قد نجد كثيرين غيرهم اقل بلاء وأكثر صحة وقوة وسدادا.
أقول والله المستعان إن لله سننا عرضها وأكد عليها في القران الكريم ونحن إن فهمنا هذه السنن فهمنا أكثر أسباب البلاء وأسراره، أليس هو القائل سبحانه (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) وأليس هو من انذر الظالمين بان يرد ظلمهم عليهم- والظلم ظلمان ظلم للنفس وظلم للآخر- وألم يقر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أن الفاحشة إن انتشرت في قوم ظهر فيهم من الأمراض ما لم يكن في أسلافهم؟ وانه لا ضرر ولا ضرار، وان مال المسلم وعرضه ودمه حرام على غيره؟
ثم ان أفعال الحق في كثير من الأحوال تترجمها أفعال الخلق، فالمنع والعطاء، والعز والذل، والرفع والخفض، والرحمة والبطش، كثيرا ما تظهر على أيدي الخلق من الأعداء أو الأحباب، وحركة الكون كله وما فيه انما تسير بحكمة الله محققة إرادته ومشيئته بلطف لا تدركه الأبصار ولا تحيط به العقول، ولو جاز للإنسان ان يقف خارج الزمان والمكان لينظر إلى حركة البشر لرأى من عجائب حكمة الله ورصده ورحمته وغضبه وكرمه وقصاصه ما لا ندركه نحن السائرون مع الزمان والمكان والمحملون بأهوائنا ورغباتنا والمحددون بإدراكنا القاصر ومحاكماتنا الفقيرة.
وكنا قد ذكرنا ان الحق سبحانه وتعالى امتن بمعيته وولايته على الذين امنوا فهو القائل (الله ولي الذين امنوا) وهو القائل (وان الله مع المؤمنين) ومن كان الله معه ومن كان في ولايته عز وجل لا خوف عليهم في الدنيا ولا في الآخرة، وهذه وديعة أكرمنا الله بها ولا يجوز لعاقل يؤمن بالله ربا ان يشك في هذه الوديعة أو يشكك فيها.
ربما قال قائل ان نصرة الله للمسلمين وجزيل رحمته وكرمه معهم إنما يكون في الآخرة وليس في الدنيا، أقول وأين نذهب بقوله تعالى (انا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد).
فالنصرة في الدنيا قبل الآخرة بتقرير القران الكريم، ولكن النصرة تحتاج إلى إيمان وانتماء، وصدق مع الله والرسول، وحفظ للجوارح من المعاصي والآثام، وتحقيق خلافة الله في الأرض بما يرضيه، وانعدام الظلم والتظالم، وشيوع المحبة في الله والبغض في الله، وتكافل المسلمين فيما بينهم وتواصيهم بالحق وتواصيهم بالصبر، وحسن التجارة مع الله الذي قال عن نفسه عز وجل بأنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة.
فإذا تحققت هذه الشروط وكنا مع الله ومع الناس كما أراد لنا تحقق قوله عز وجل (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) وهذا يعني انه ما دام قد علا الكافرون على المؤمنين وما داموا قد ظهروا عليهم قوة أو تقدما-كما يقال- أو غلبة فان هذا لنقص أكيد في الإيمان ظاهرا أو باطنا، فالمؤمن- والقول لابن القيم- عزيز غالب منصور مكفي ومرفوع عنه بالذات أينما كان ولو اجتمع عليه من بأقطارها إذا قام بتحقيق الإيمان وواجباته. هذه هي سنة الله في أرضه كما يقرها القران الكريم فمن أراد ردها فليردها على الله- نعوذ بالله من دلك -.
ماهر سقا أميني
