أصبح الإنسان يتشكك يفيما يسوقه إلينا الغرب من دعوات، تحت مسميات حقوق الإنسان بعامة، أو حقوق المرأة أو الطفولة بخاصة، والتركيز على منطقتنا الإسلامية، التي يسارع ممثلوها على الفور بإعلان الموافقة عليه، لأنه جاء من قبيل منظمات دولية، واكتسب شرعية دولية، وليس مهما عند من يحضر ويوافق ويوقع إن كانت هذه الآراء والتوصيات متفقة مع ديننا أم لا؛ بل الأهم هو قناعة المنظمات والاتحادات النسائية العلمانية بأهمية هذه النداءات ووجوب إقرارها وتمريرها على الشعوب، فيكفي أن تصدر هذه الآراء حتى تتخذ هذه المنظمات والاتحادات منها دينا لازما، لا يقبلون له نقضا ولا دفعا ولارداً..!

التشريع الاسلامي

ودائما تتخذ هذه الهيئات الدولية لها من بين شعوب المنطقة من الشخصيات الإعلامية والفنية والحركية المعروفة، والتي عادة لاعلاقة لها ولا قناعة بالتدين، وكلاء واصفياء وأوتاداً لترويج مقترحاتها وآرائها تحت مسميات «سفراء» أو »نشطاء» وتسليط وتركيز الأضواء عليهم والإقبال والاهتمام بآرائهم التي لابد وأن تكون دعوة لتغيير التقاليد والعادات ومعطيات الأديان.

فقضية مساواة المرأة بالرجل التي تضمنتها اتفاقية القضاء على أشكال التميز ضد المرأة، ليس المسلمون بحاجة إليها وما كان لهم أن يشتركوا في إقرارها، لأن صائغيها الذين وضعوها ليسوا آلهة، وإنما هم بشر والبشر كما هو معلوم، يخطئون ويصيبون وتكون لهم أهواء وأغراض وأجندات ورؤى خاصة، بينما تشريع الإسلام للعلاقة الأسرية بين الرجل والمرأة هو التشريع الذي يعود بالإنسان الذكر والأنثى إلى الفطرة، ويحقق التواؤم بين وظيفة الرجل والمرأة، ويؤسس المودة والرحمة، لقول الحق تبارك وتعالى: «ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون. ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون».!

والإسلام هنا يربط بين قطبي دائرة الأسرة بميثاق السكن والمودة بعد أن أقر بينهما أمانة المسؤولية التي يجب أن يقوم بها كل طرف، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته: فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».

فليس القانون هو الذي يرعى قيام الرجل بأمانته نحو زوجه، أو قيام المرأة بأمانتها نحو زوجها، وإنما الإيمان الحي هو الدافع للفرد إلى القيام بالأمانة التي ائتمنه عليها ربه، وما لم يكن الحرص على أداء الأمانة داخليا نابعا من سويداء القلوب، فلن تفلح قوانين الأرض بفرضها على العلاقات الأسرية، بل ما من قانون وضعه البشر إلا ويحمل من الثغرات ما يسمح بنفاذ الطعون إلى مقاتله، حاشا القرآن فإنه القانون الوحيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهذا القانون الإلهي هو الذي ساوى بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات.

في قول الحق تبارك وتعالى: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف» وفي قوله عز وجل: «فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب» أو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «النساء شقائق الرجال» وليس هناك من موقف على الإطلاق في الإسلام يغض من قدر المرأة لحساب الرجل بل على العكس من ذلك، جعل للمرأة قيمة أعلى وأحكم في أسرتها.

ومن أجل ذلك رصد لها الجنة جزاء حسن طاعتها للنبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لها بطاعة زوجها حين قال: «إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها دخلت الجنة» وحينما جاءته أسماء بنت يزيد تنقل إليه مقولة النساء: «هؤلاء الرجال يجاهدون في سبيل الله، فإن فازوا غنموا، وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون» ونحن معاشر النساء نقوم عليهم، فما لنا في هذا الأمر؟! فقال: «أعلمي من خلفك من النساء أن طاعة المرأة لزوجها وحسن تبعلها له يعدل ذلك كله..»!!

ومعنى هذا أن المرأة سيحملها دينها وإيمانها على توفير الحياة الهادئة لزوجها ولا تسوق في سبيله العقبات والمنغصات التي تعوق مسيرته مع ربه ودينه ومجتمعه وعندها لن يكون جهدها ضائعاً، وإنما ستنتظر جزاء صبرها وتحملها واجتهادها من الإله الذي تعبده والذي تسير حياتها مع زوجها في ضوء دستوره..!

المعاشرة بالمعروف

والزوج أيضاً إذا تشبع بالإيمان أفاض على زوجه رعاية وعناية وإنفاقاً وحسن عشرة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيارهم خيارهم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» وكرم أخلاقه تقتضي المعاشرة بالمعروف، حيث يقول رب العزة: «وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً» وإذا كانت الشريعة الإسلامية تلزم الرجال بالإنفاق والرعاية والمتعة كما يصنع لنفسه تماماً، فما الحاجة إلى استيراد قوانين؟!

لقد روى أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما حق المرأة على زوجها. فقال له صلى الله عليه وسلم: «ويطعمها إذا طعم ويكسوها إذا كسي ولا يهجرها إلا في البيت، ولا يضرب الوجه ولا يقبح» ومن عجيب الأمر أن الرجل حين يقوم بهذه الواجبات يثاب عليها من ربه، لأنه معتبر في سبيل الله، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «واللقمة ترفعها إلى في امرأتك صدقة» وقوله في موضع آخر: «وفي بضع أحدكم صدقة»، قالوا: أيأتي أحدنا شهوته، ثم تكون له صدقة؟! قال: أرأيتم لو كان وضعها في حرام ألم يكن يعذب عليها؟! قالوا: بلى، قال: كذلك إذا وضعها في حلال يثاب عليها..!

وانظر إلى التوجيه المحمدي للأزواج ألا يعتبرون أن النفقة على الزوجات أموال ضائعة، لأنها محسوبة مثاب عليها أعظم ثواب على نفقة، فيقول: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار أنفقته على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك» رواه مسلم، وهذا أمر لا يفرضه قانون سوى قانون الإيمان، ولذلك لا يتم التحايل عليه..!

وليس هناك من قانون يفرض على الزوج مساعدة زوجه في أعمال بيتها، ولكنها تأتي من الدين من التأسي بإمام الأمة وقدوتها ورسولها صلى الله عليه وسلم حيث ذكرت السيدة عائشة رضي الله عنها أنه كان في مهنة أهله، يحلب شاته ويخصف نعله ويغلي ثوبه ويقم بيته ويخدم نفسه ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته..!

وهل القانون يفرض على الزوج أن يسابق زوجته؟ الحق والواقع يقرر أن ذلك غير مفروض وغير ملزم قانوناً، ولكنه مباح شرعا، ويثاب عليه أيضاً، لأنه سنة عن إمام الأمة وزعيمها صلى الله عليه وسلم، إذ سابق زوجه مرتين، مرة سبقته ومرة سبقها، وهذه الروح الخفيفة والرشيقة حين وجودها تربط وتؤلف بين القلبين، مما يصعب معه أن تتفكك الأواصر وتتحلل الروابط، ومن أجل ذلك يعتبر الإسلام أن الوصول إلى مرحلة الانفصال وإنهاء الحياة الزوجية شيء مكروه ولا يحبه الله ولا يرضاه، ولذلك فالمسلم الحقيقي لا يلجأ إلى الطلاق إلا مضطراً إليه اضطراراً حقيقياً..!

علي عيد