تعد علاقة المسلمين بالآخر أحد أهم الإشكاليات الفكرية والمجتمعية التي تواجه المسلمين الذين يعيشون خارج أقطارهم الإسلامية، لاسيما في أوروبا والولايات المتحدة، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي جاءت بمعطيات جديدة فرضت نفسها على الساحة العالمية، وألقت بظلالها على صعيد العلاقة بين المسلمين و«الآخر».
من هذا المنطلق يأتي هذا الحوار مع الدكتور محمد مرساوي رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بفرنسا الذي ألقى الضوء على أهم جوانب العلاقة بين المسلمين و«الآخر» في أوروبا، مؤكدا أن هناك هجوما عشوائيا تمارسه عدد من وسائل الإعلام بغرض تشويه الإسلام والمسلمين، موضحا في الوقت ذاته دور المجلس الذي يترأسه في مواجهة هذا الهجوم وبيان الصورة الصحيحة للإسلام.. فإلى تفاصيل الحوار. بوصفك رئيسا للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.. ماذا عن هذا المجلس؟ هذا المجلس يمثل الديانة الإسلامية لدى السلطات الفرنسية، وهو حلقة وصل بين الجمعيات الفرنسية للمساجد والجمعيات الدينية بصفة عامة.. وتتحدد أهم وظائف المجلس في متابعة شؤون المسلمين في فرنسا، وبحث قضاياهم مع الجهات المعنية، فضلاً عن دعم التواصل بين مسلمي فرنسا ومسلمي العالم.
لكن كيف ينظر الأوروبيون إلى الإسلام والمسلمين؟
هناك فريقان ينظران إلى الإسلام والمسلمين وكل واحد منهما له رؤيته الخاصة؛ فهناك المنصفون سواء كانوا من المستشرقين أم غيرهم، والذين استطاعوا بعد فترة من البحث والتدقيق والتأمل معرفة حقيقة الإسلام ودعوته الخالدة ونظامه الراقي فعبروا عن ذلك بعبارات بليغة وهادفة.. وهناك فريق ثانٍ يعبر عن المتشددين الذين يحاولون «الصيد في الماء العكر»، ويحاولون جاهدين النيل من تراث حضارة الإسلام عبر تاريخه الطويل، وهؤلاء ليس لديهم أدنى سند أو دليل قاطع يثبت دعواهم وافتراءاتهم الباطلة التي يرددونها عبر وسائل الإعلام المرئي أو المسموع أو المطبوع.
من وجهة نظرك.. كيف ترصد نظرة الغرب إلى المسلمين بعد أحداث 11سبتمبر؟
إذا كان هناك عدد من المتشددين والمتعصبين ضد الإسلام والمسلمين قبل أحداث 11سبتمبر فقد زاد هذا العدد، وبرأيي لا أجد مبررا واضحا لزيادة هذا العداء الذي ربما لا يخدم البشرية بل يزيد آلامها.
ما ملامح هذا الموقف؟
يمكن رصد هذا الموقف الهجومي على الإسلام والمسلمين بعد أحداث 11سبتمبر من خلال أقوال وتصريحات عدد كبير من كبار الساسة المعاصرين والسابقين في أوروبا والولايات المتحدة، والتي يستشف منها التوجس والريبة من المسلمين؛ لعل أبرزها تصريحات «بيرلسكوني» رئيس وزراء إيطاليا عن الإسلام والمسلمين؛ فعلى الرغم من اعتذاره لاحقًا؛ إلا أن هذه التصريحات التي صرح بها - منذ فترة - تعكس عدم معرفته بالإسلام وحضارته الخالدة.. وفي هذا الإطار أيضا يقوم عددٌ من رجال الدين المسيحي بين الحين والآخر بإطلاق تصريحات لا تخدم العلاقة بين المسلمين و«الآخر».. ولكن في المقابل فهناك تفاؤل سيطر على بعد خطاب الرئيس أوباما للعالم الإسلامي، فمن شأن هذا الخطاب أن يصحح الكثير من الانطباعات السلبية التي يأخذها الغرب عن الإسلام.
العلاقة بالآخر من أهم الإشكاليات التي يواجهها المسلمون في أوروبا.. كيف حدد الإسلام أسس هذه العلاقة؟
الإسلام ينظر إلى الآخر نظرة عناية ورحمة ورأفة وعطف حيث يحرص على هدايته وإرشاده إلى الطريق المستقيم.. بل أمر أتباعه - أي المسلمين - بالعناية بالآخر بالقول والعمل وعدم الهمز واللمز بهم، ويكفي للتدليل احترام الإسلام للآخر دعوة الخالق تبارك وتعالى الناس جميعا إلى التعارف والتعاون والتحاب يقول تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وقوله (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا).. وعلى صعيد السنة النبوية أفردت كتب الحديث العديد من الأحاديث النبوية التي تحث على حسن معاملة «الآخر».
إذا كان الأمر كذلك.. لما يصر الغرب على لصق تهمة الإرهاب دائما بالإسلام والمسلمين؟!
هذا راجع لعدد من الأسباب لعل أبرزها الصورة السلبية التي قام الوالدان بغرسها داخل أبنائهما طوال فترات التربية عن المسلمين والإسلام، وبالتالي يشب الطفل في ذهنه هذه الصورة التي تحتاج إلى مجهود ووقت لكي تتغير، وهذا أمر ليس سهلاً، ومما يساعد على ترسيخ هذه الصورة السلبية أيضا الإعلام الغربي الذي يلصق أي أحداث عنف في أي بلاد إسلامية إلى المسلمين، وليس إلى المنطقة أو الدولة، فيصورهم بأنهم إرهابيون ومتشددون وغيرها من الصفات التي يتم إقحام الإسلام فيها، وعلى العكس تماما عندما تحدث نفس الحوادث في مناطق أخرى لا يقوم الإعلام الغربي بنسبها إلى الدولة، وليس إلى الدين.
وأين دور المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية من ذلك؟
المجلس يبذل جهودا متواصلة للتفريق بين الإسلام كدين وما يُمارس من أعمال عنف باسم الدين، وذلك من خلال التواصل مع وسائل الإعلام المختلفة، وتنبيههم بقدر المستطاع إلى بعض المصطلحات التي يتم تداولها وتتسبب في هذا الخلط وتلصق أعمال العنف بالإسلام سواء بقصد أم دونه، كما يسعى المجلس أيضًا إلى مواجهة بعض الأفلام المغرضة التي تنادي بالصراع الحتمي بين الإسلام والغرب؛ معتمدين في ذلك على الكذب والافتراءات حتى يبرهنوا على ما يدعون إليه؛ وفي هذا الإطار يقوم المجلس بالتركيز على أن الإسلام يحترم «الآخر»، ويحترم الحريات، وأن تعاليمه تدعو إلى التعايش السلمي بين الجميع أيًا كانت دياناتهم أو أعراقهم أو لغاتهم، أما الصراع والإرهاب فالإسلام براء منهما.
- هذا على صعيد المؤسسات أين المواطن الفرنسي أو الأوروبي من نشاط المجلس؟
لدينا تجارب ناجحة في هذا الإطار حيث قام المجلس بتكوين لجان خاصة بالحوار الديني على مستوى الأفراد، ويجب أن نعرف أن المواطن الفرنسي في علاقته بالمسلمين والإسلام يتأثر بعاملين؛ الأول هذا الوضع الإسلامي في العالم، والثاني هو الأكثر تأثيرًا علاقته مع المواطن المسلم الذي قد يكون زميله في العمل أو جاره في السكن، وبالتالي فإن ظهور المسلمين بشكل أخلاقي جيد يساهم في تحسين الصورة السلبية لدى المواطن الفرنسي عن الإسلام والمسلمين.
إشكالية الحجاب.. إلى أين وصلت؟
حجاب المرأة المسلمة أمر مثير للدهشة في فرنسا؛ فبالرغم من أن هناك غيرهن يرتدين أغطية للرأس إلا أن الأمر لم يأخذ مثل هذه الضجة في المجتمع، وفي حالة المرأة المسلمة شهدنا هجومًا من مختلف الأقلام ترى أن هذا الحجاب هو رمز لخضوع المرأة للرجل، وأنه يتنافى مع كرامتها وحقوقها وتعاليم المدنية الحديثة الأمر الذي يثير تساؤلات عديدة.
القاهرة- دار الإعلام العربية

