عندما قرأ إعلاناً في الصحف بأن جامعة تُدرس في منهجها باللغة الإنجليزية جميع المواد العلمية والأدبية وهي بحاجة إلى دكتور في مادة الأحياء، تقدم بطلبه إلى الجامعة، وبعد نحو أسبوع تلقى رسالة على بريده الالكتروني تفيد بأنه تم قبوله لتدريس مادة الأحياء في الجامعة.
عند حضور الدكتور إلى الجامعة أخبر الإدارة بأن زوجته تحمل شهادة الماجستير في اللغة الإنجليزية وأنها تُدرس في الجامعة نفسها التي يُدرس فيها وأنه يرغب في أن تكون معه ويمكنها أن تدرس المادة ذاتها في الجامعة. لم تتردد الجامعة في ذلك، حيث تم قبول الدكتور وزوجته للعمل معاً في الجامعة الجديدة.
التأقلم مع الحياة الجديدة
بدأ الدكتور يتأقلم هو وزوجته مع الحياة الجديدة، خاصة وأن المرتب الذي كان يأخذه كل منهما كان كبيراً جداً ما سهل عليهما الغربة والابتعاد عن الأهل والوطن. خلال السنة الثالثة لوجودهما في الجامعة بدأت زوجة الدكتور في استقبال بعض الطلاب والطالبات في مكتبها لشرح بعض النصوص الغامضة في الأدب الإنجليزي إلا أن الطلاب لم يكونوا مقتنعين بهذه الدقائق البسيطة التي تعطيها لهم زوجة الدكتور في مكتبها، لذا اقترح عليها البعض أن يأتوا إلى الفيلا التي تسكن فيها والتي أعطتها الجامعة لزوجها ولها وأن تعطي كل مجموعة ساعة أو ساعتين من وقتها، حيث تتمكن حينذاك من إعطائهم جرعات زائدة من الشرح.
ورغم أن القوانين في الجامعة تحرم إعطاء الدروس الخصوصية من قبل المدرسين لطلاب الجامعة إلاّ أن الجامعة كانت تغض الطرف في كثير من الأحيان عن إعطاء تلك الدروس لأن الطلاب كانوا فعلاً بحاجة إليها.
إضافة إلى ذلك فإن الدكتور وزوجته لم ينجبا أطفالاً حتى الآن لذا كانت زوجة الدكتور تجد وقتاً طويلاً من الفراغ بعد أن تعود من الجامعة حتى اليوم الثاني لذا وجدت في الدروس الخصوصية تسلية وزيادة في المال.
كانت الدروس تنقسم إلى قسمين فالفتيات كُن يأتين إليها من الخامسة بعد الظهر حتى السابعة ليلاً والطلاب يأتون إليها من السابعة والنصف حتى التاسعة والنصف ليلاً عدا الخميس والجمعة والسبت.كان الدكتور غير راضٍ عن ذلك إلا أنه كان يجد في ذلك تسلية لزوجته حتى لا تشعر بالفراغ، من هنا كان يتغاضى عن تلك الأمور.
ورغم الحياة الفارهة والأموال الكثيرة التي كان الزوجان يتمتعان بها إلاّ أن حياتهما كانت غير سعيدة فقد كان ينقصها الولد الذي يملأ الفيلا صراخاً وضحكاً وحياة.كان الدكتور راجع أكثر من طبيب حيث قالوا له إن حالته طبيعية ويمكنه أن يُنجب وكذلك زوجته فقد راجعت أكثر من طبيب وقالوا لها إن حالتها طبيعية ويمكنها أن تُنجب هي الأخرى وأن الزوجين ليس فيهما أي عيب خُلقي يمنع الإنجاب.
مفاجأة سارة
بدأت زوجة الدكتور تراجع أطباء في المدينة التي تعمل فيها وفي أحد الأيام قالت لها إحدى الطالبات التي تأتي لتأخذ درساً خصوصياً عندها إن هناك أشخاصاً يعالجون بالأعشاب وقد يُفيدوا في حالتها وحالة زوجها. أخبرت المرأة زوجها الذي قال لها بأنه لا يؤمن بما يُسمى بالطب البديل فإذا كانت الأدوية الكيميائية لا تعطي نتيجة إيجابية فهل ستفعل ذلك بضع خلطات من الأعشاب.
لكن المرأة كانت مُصرة على العلاج بأية طريقة تقليدية أو غير تقليدية لذا لم يجد زوجها بداً من الانصياع لها، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل بدأت المرأة تطالب زوجها بأن يذهب هو أيضاً للعلاج بالأعشاب لعل وعسى.
بعد علاج استمر نحو ثلاثة أشهر بدأت المرأة تشعر بأنها قد تكون حاملاً لكنها لم تشأ أن تذكر ذلك لزوجها لأنها سبق وأن قالت له بأنها حامل لكن تبين فيما بعد بأنه حمل كاذب.انتظرت المرأة فترة كافية ثم ذهبت إلي الطبيب للتحليل وكانت المفاجأة التي لم تخطر لها على بال فقد أكد الطبيب بأنها حامل.
لم تصدق المرأة ما تسمع فذهبت إلى عيادة أخرى وطبيب آخر وطبيب ثالث ورابع، حيث أكدت كل التقارير بأنها حامل، لذا كان لابد من أن تخبر زوجها بهذا الخبر السعيد.أعدت المرأة احتفالاً كبيراً يليق بهذه المناسبة غير العادية وفي اللحظة التي دخل فيها زوجها الفيلا فاجأته بهذه الحفلة الكبيرة والخبر الذي طال انتظاره سنوات.
عندما سمع الدكتور بالخبر وبأنه سيصبح أباً لم يصدق نفسه فهو لا يدري يفرح أم يبكي، وأخيراً احتضن زوجته مهنئاً لها.بدأت الزوجة تفكر كيف ستتصرف عندما يأتي المولود، فهي لا تستطيع أن تتركه ساعات عدة حتى تذهب إلى المحاضرات وتعود إلى البيت لترضعه، لكن زوجها قال لها إن الفيلا لا تبعد عن الجامعة أكثر من خمس دقائق بالسيارة وتستطيعين بعد المحاضرتين الأولى والثانية أن تأتي لإرضاعه.
بدت المرأة مشغولة بالضيف القادم فما تكاد تجلس مع زوجها إلا وتتحدث عنه وعن الملابس التي ستشتريها له والسرير الذي سيكون في غرفتها وقرب سريرها.أصبح الدكتور يشعر بالضيق وهي تتحدث عن المولود الجديد حتى كان يثور لمجرد أن تأتي بأي شيء يخص هذا الطفل الذي لم يولد بعد.
شعرت المرأة بأنها قد تكون مبالغة في الحديث عن الطفل ما أثار حفيظة زوجها، لذا قالت لها إحدى صديقاتها بأن عليها ألا تتحدث عن الطفل أمام زوجها لأن كثيراً من الأزواج يشعرون بالغيرة من أبنائهم، حيث إنهم يرفضون في عقلهم الباطن أن يأخذ أي إنسان زوجته منه حتى ولو كان ابنه.في اليوم الثاني ذهبت زوجة الدكتور وقدمت طلباً لإعطائها إجازة طويلة من دون مرتب كي تعود إلى بلادها، إلاّ أن الجامعة رفضت ذلك بحجة أن الامتحانات على الأبواب.
في إحدى الليالي بينما كان الدكتور يتناول طعام العشاء مع زوجته أخبرته بأنها تفكر في الاستقالة والعودة إلى بلادها، لكن الزوج رفض هذه الفكرة، وهنا احتد النقاش بينهما، فما كان من الدكتور إلاّ أن ضرب زوجته بصحن كان أمامه، فشج رأسها ما دفعها لأن ترقد في المستشفى لأيام عدة، لكن الزوجة رفضت أن تخبر إدارة المستشفى بأن المتسبب في ذلك هو زوجها حتى لا يتم فصله من الجامعة.
وهنا اقترحت عليها صديقتها أن تترك المستشفى وأن تذهب إلى المطار مباشرة وأن تعود إلى بلادها، حيث ستتكفل هي بحجز تذكرة لها وعندما تصل إلى بلادها ترسل من هناك استقالها وتضع الجميع أمام الأمر الواقع.ورغم أن زوجة الدكتور كانت مقتنعة بذلك إلاّ أنها خافت أن يكون هذا التصرف نهاية حياتها مع زوجها الذي أصبح عصبياً بصورة لا تطاق.
استشارة طبيب نفسي
خلال وجودها في المستشفى لم يذهب زوجها لزيارتها ولو مرة واحدة، وفي أحد الأيام جاءت صديقة الزوجة إلى فيلا الدكتور لتأخذ لها بعض الملابس لكن الدكتور رفض أن يعطيها أي ملابس ما دفع بالمرأة إلى وصفه بأنه إنسان معقد ويغار من طفل بريء لم ير الحياة بعد، فما كان من الدكتور إلاّ أن أمسك عصا محاولاً أن يهوي بها على رأس المرأة التي فرت هاربة وهي تشتم الدكتور وتصفه بأقزع الأوصاف وأسوأها عندما خرجت زوجة الدكتور من المستشفى استقبلها الدكتور بكل فتور.
فحاولت الزوجة أن تقنع زوجها بأن الطفل القادم لن يأخذ مكان أبيه في قلبها وأن لكل واحد منهما حبه الخاص وبدت عاتبة على الدكتور أن يفكر بهذه الطريقة فهو يحمل أعلى الشهادات العلمية في علوم الأحياء فكيف يفكر بهذه الطريقة وأن يكون قاسياً على ابنه الذي انتظره هو وهي طويلاً.لم يعلق الدكتور على كلامها وذهب إلى غرفته وأغلق الباب على نفسه، بدأت الزوجة تبكي وقامت بالاتصال بصديقتها التي طلبت منها أن تأت عندها.
ذهبت زوجة الدكتور إلى صديقتها بعد أن كتبت لزوجها رسالة تقول فيها أين هي إن أراد أن يتصل بها خلال وجودها مع صديقتها قالت زوجة الدكتور بأنها باتت تخشى على نفسها وعلى ابنها من زوجها فهي ترى الشر في عينيه كلما نظر إلى بطنها وهي تكبر، حتى أنه في احدى المرات أمسك سكيناً وقال لها أريد أن أخرج الطفل الآن لأرى شكله، ولونه.
وجدت زوجة الدكتور بأنه لابد من استشارة طبيب نفسي، حيث أخبرها الطبيب بأن حالة زوجها حالة مرضية طارئة يمكن أن تزول بعد الإنجاب بفترة، رغم أنه حذرها بأن الأشهر الأولى من ولادة الطفل قد تكون خطيرة لأن الزوج سيشعر بأن أحداً جاء وأخذ زوجته منه، لذا طلب منها الطبيب أن تتعامل مع زوجها بطريقة حسنة وأن تشعره بلحظات الحب وأن أحداً لن يأخذ مكانه، حتى ولو كان ابنها، كما طلب منها أن تشتري له هدايا وأشياء يحبها فهذا سيكون علاجاً جديداً وسيشعره بأن زوجته له وحده.
بدأت الزوجة تتودد إلى زوجها فبدأت مواقفه تتغير شيئاً فشيئاً حتى أنه دعاها إلى العشاء في أحد الفنادق كما بدأ يرتب لغداء على أحد الشواطئ معها.بدأت الزوجة تشعر بسعادة غامرة بعد أن استعادت زوجها الذي كادت الغيرة تفقده صوابه.
غداء وسط البحر
في نهاية الأسبوع كان الدكتور استأجر قارب صيد حيث ذهب هو وزوجته في رحلة بحرية، مرت الساعات الأولى جميلة إلاّ أنها لم تنته كذلك فقد تعرضت زوجة الدكتور لحادث خطير في وسط البحر أفقدها حياتها. ففي الساعة الثالثة بعد الظهر تلقت غرفة العمليات اتصالاً من خفر السواحل تطلب فيه إرسال طائرة لنقل امرأة تعرضت لحادث في البحر.
عندما وصلت الطائرة كانت المرأة قد نزفت حتى الموت، حيث تم نقلها إلى المختبر الجنائي الذي أفاد بأن الوفاة ناجمة عن فقد المرأة لساقها اليمنى بشكل كامل نتيجة لمهاجمتها من سمك القرش، حيث تعرضت لنزيف حاد أفقدها حياتها.
أما إفادة الزوج فقد قال بأنه أوقف القارب في مياه شبه ضحلة قرب جبل يقع في وسط البحر أشبه ما يكون بجزيرة ونزل ليأخذ بعض المحار، وكذلك فعلت زوجته وفجأة هاجمتهما سمكة قرش ضخمة لكن زوجته لم تستطع السباحة بسرعة لكونها حاملا أما هو فقد تمكن من الوصول إلى القارب وعندما سأله الضابط عن سبب عدم مساعدتها قال بأنه ذهب ليساعدها لكن القرش كان أخذ ساقها وهرب مسرعاً إلى عرض البحر.
لم يتمكن الضابط من توجيه الاتهام إلى الزوج بعد أن أكد المختبر الجنائي بأن الوفاة ناجمة عن هجوم لسمك القرش، حيث تم الإفراج عن الزوج والتصريح بدفن الزوجة.إلاّ أن صديقة زوجة الدكتور اتهمت الدكتور بأنه هو السبب في موتها بشكل أو بآخر، أمام هذا الاتهام تم تفحص القارب والمكان الذي وقعر فيه الحادثة، حيث تبين أن هناك مياه ضحلة فعلاً بالقرب من جبلين كبيرين في وسط البحر وأن المياه حول الجبلين من الساعة الثانية عشرة ظهراً وحتى الساعة الخامسة تكون ضحلة لأنها تكون في حالة جذر حتى أن الناس يأتون من الشاطئ إلى الجبلين مشياً لأن المياه تكون ضحلة ولا يزيد عمقها عن 30 ـ 50سم.
انتقل فريق البحث الجنائي إلى حيث القارب الذي لا يزال تحت يد الشرطة ومن خلال فحصه تبين وجود بقع كبيرة من الدماء وبعض الشعر وملابس خاصة بالزوجين، ومن خلال فحص بقع الدماء تبين بأنها تعود للزوجة التي قُطعت ساقها كاملة بسبب هجوم القرش.
إلاّ أن خبراء البحث الجنائي لاحظوا على حافة القارب خطاً طويلاً من اللون الأصفر مختلطاً ببعض بقع الدماء، حيث تم تحليل المادة الصفراء هذه، ومن خلال التحليل تبين بأنها مادة ال(مُّوفٍِّْ) وهي مادة تستخدم طعماً لاصطياد أسماك القرش.
تم استدعاء الدكتور، حيث وجه له الضابط تهمة قتل زوجته، لكن الدكتور أنكر ذلك، وعندما قال له الضابط بأن هناك شهوداً يؤكدون بأنك ضربت زوجتك ودخلت إثر ذلك إلى المستشفى لأنك تغار من ابنك القادم، وأنك في إحدى المرات أمسكت السكين وحاولت إخراج الجنين من بطن زوجتك، قال الدكتور بأنه كان بينه وبين زوجته خلافات لكنه لم يفكر بقتلها.
طلب الضابط تفتيش الفيلا وسيارة الدكتور، حيث عثر على مقبض باب السيارة آثاراً لمادة ال(Detharum).
هنا طلب الضابط من الدكتور تفسيراً لوجود آثار تلك المادة على مقبض سيارته وعلى القارب خاصة وأن تلك المادة غير موجودة في الأسواق وأنه لا يتم استخدامها إلاّ في حدود ضيقة جداً وأنه يتم تحضيرها في المختبرات العلمية بطريقة غير سهلة وأن الذي يستطيع تحضيرها يجب أن يكون ذا خبرة علمية كبيرة.
حاول الدكتور أن ينقذ نفسه لكنه كان في كل مرة يقع في خطأ يسوقه إلى خطأ وأخيراً قال بأنه هو الذي أحضر هذه المادة إلى القارب وأنه وضعها على جسم زوجته من الأسفل (على ساقيها) قائلاً لها بأن هذه المادة تبعد عنك قناديل البحر في حين أنها تجذب سمك القرش من مسافات بعيدة.
وأضاف بأنه طلب من زوجته أن تنزل إلى الماء في حين بقي هو في القارب وأنه كان يعرف بأن سمك القرش سيهاجمها وأنه بعد أن تأكد بأن القرش أخذ جزءاً منها تركها تنزف في الماء ثم ذهب وجرها إلى القارب ويبدو أن المادة علقت من ساقها الثانية على حافة القارب.
وعندما سأله الضابط هل غيرتك من ابنك هي التي دفعتك لقتل زوجتك؟ قال كنت أتمنى أن يكون لي طفل منها، لكنني قبل زواجي منها بستة أشهر أجريت عملية في البروستاتا وأخبرني الطبيب بأنني لن أنجب أبداً، وعندما أخبرتني زوجتي بأنها حامل طلبت منها تفسيراً لذلك لأنني لا أُنجب حيث أخبرتني بأنه من أحد التلاميذ الذين كانوا يأتون لأخذ دروس خصوصية عندها. وهنا فتح الرجل حقيبة صغيرة كانت في يده وأخرج منها تقريراً طبياً يشير إلى أن الرجل كان مصاباً بنوع من السرطان وأنه أجريت له عملية أصبح بسببها غير قادر على الإنجاب.
كانت هذه مفاجأة للجميع، وهنا قال له الضابط كان بإمكانك ألا تقتلها وأن تعتبره ابنك وتربيه، فقال له الدكتور لو كنت مكاني هل كنت ستربي ابناً غير شرعي وتنسبه إليك. سكت الضابط قليلاً ثم قال لأحد معاونيه اعرض الدكتور مع التقرير في الغد على المحكمة.
إعداد ـ أحمد سلطان
