اختزلناها منذ الصغر، والتصقت بنا منذ الولادة.. تلازمنا بها، توافقت مع صفاتنا أحياناً.. وكنا مزيجاً من أحداث ومواسم وجذور. قد لا يدرك الأبناء تفاصيل أسمائهم، وكواليسها الخفية ذات الطابع التقليدي غالباً.. أو الكوميدي والعاطفي والتراجيدي في أسوأ الحالات. فلم يكن ليستوعب ذاك الصبي ابن السنوات العشر أن اسمه كان سبباً في طلاق والديه، حينما غافلت الأم الزوج في غيابه.. وتوجت المولود الصغير باسم والدها. مصادرةً حقوق الأب في المشاركة بفرحة تسمية ابنه البكر. فكان الطلاق نهاية «اكسبريس» في زواج أقارب من الدرجة الأولى.. والنوادر في هذا الشأن كثيرة.

من غير المبالغة أن تكون الأسماء تأريخاً للحياة. والحوادث التي تعصف بها. والأشخاص الذين تركوا على صفحات أيامها بصمات لا تنسى.. أكنا نختلف معهم أو نشاركهم عواطفنا. في ستينات وسبعينات القرن الماضي ومع اتساع حركة المد القومي العربي شاعت أسماء معينة. فتسمى معظم شباب تلك الحقبة باسم الزعيم جمال عبد الناصر إعجاباً به وتخليداً لآخر أنفاس العروبة في تلك المرحلة.. وبين جمال.. وعبدالناصر والأمل بولادة زعيم جديد، حظيت الفتيات بأسماء على الموضة.

ولأن الفن والسياسة يحظيان بشعبية متوازية في هذا الوطن العربي.. فكان لا بد من تخليد أسمهان، وصباح، ونادية لطفي.. في مجتمع لا يعترف بسوى الأسماء التقليدية المتوارثة. وبين الجمال وإتقان الأداء والموهبة، التي تسمّرت لأجلها الأمهات أمام شاشات التلفاز، هناك نبوءة بحظ المولود الجديد.

تقاليد

في مجتمع يكرّم العائلة وكل ما يمت للجذور من عادات وتقاليد.. لم تتسع دائرة الأسماء. ولم تكد تنتشر أسماء جديدة في قواميس الأهالي الذين حرصوا على توارث أسمائهم قبل أموالهم. فتلك عفراء على جدتها لأبيها، تبركاً بكبار السن. وهذه شيخة على الخالة التي ظفرت بسبع حجات. أما خليفة فهو امتداد العائلة التي تحتفظ بذكرى الجد «العود».. الذي سمي هو الآخر على جدّه.. حتى أصبح الاسم سلسلة من الأسماء المتتالية المتكررة!

كان ارتباط الأهالي بالأرض موغلاً في جذورها، سابحاً في فضاءاتها المضطربة والساكنة والمعطاءة.. فهم على ثقة بأن ثمة سرا بين كل ما يحيط بلحظات الولادة من أجواء. فاستمدوا أسماء أبنائهم من مواسم الأرض وتحولاتها. فمن ولد في الصباح الباكر حتماً «مصبّح».. أما من أبصر في وقت الظهيرة أو «الهجير» فهو «مهيّر».. بينما المساء فيكون من حظ «ساري» أو «مسرّي».

كذلك الأرض، كانت تُمنح الأسماء قرباناً لعطاياها. فـ «عشبة» سميت فرحاً بخضرة كست الصحراء، في ثقافة يستبشر أهلها بالمطر. بينما مطر وغيث هم أبناء المواسم الشتوية الماطرة. فكان الأهالي يؤرخون أعمار أولادهم بالفصول وخيراتها.

ولم تدّخر الثقافة الحديثة جهداً في التخفيف من وطأة الأسماء التقليدية. فأصبحت روضة «رورو».. ولطيفة «تيفا».. وعائشة «شوشو».. وفاطمة «تيما» أو «توما» وشيخة «كيكه» إرضاءً لجداتها.. و«عشان البنت ما تتعقد».

آداب

لتسمية الأبناء بُعد ثقافي وديني، فلم تُغفل السنة النبوية في أكثر من موضع حرصها الحث على حسن اختيار الاسم باعتباره حقا للمواليد على آبائهم. فجاء عن المصطفى (صلى الله عليه وسلم) أنه قال «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وبأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم». كما نهت السنة النبوية التنابز بالألقاب، ووجهت بضرورة تسمية المولود خلال أسبوع من ولادته.. ومنحت الأب حق تسميته في حال تنازع الوالدين، باعتباره سيحمل اسمه. مؤكدةً على أهمية أن يكون الاسم حسناً مقبولاً على الأسماع يحمل معنيً جميلاً.

وخصوصية المجتمعات القبلية انعكست على الأسماء، التي قد لا يكون اختيارها موفقاً في بلدان عربية أخرى. فكم من مرةٍ تردد ذلك الأستاذ الجامعي، عندما أراد أن ينادي إحدى طالباته باسمها «شيخة»، متذرعاً بالخجل من معنيً لا يليق بها. ومستفسراً عن معناه مراراً. وذلك لأن شيخه في بلاده هي «الرقاصة». كما أن اسم موزة يحظى باستغراب الإخوة العرب، وحتى الأجانب ممن يسمعون بالترجمة الحرفية للاسم. بينما «موزة» نوع من أنواع اللؤلؤ، التي تتخذ شكلاً هلالياً يُشبه هيكل ثمرة الموز.

ولكن! هنا سؤال.. هل «رفيعة» فعلاً رفيعة.. وهل ناعمة كذلك.. أو حتى سريعة؟ لا بد من ذلك.. حتى يوافق الاسم المسمى.. والمعنى المبنى.

وفاء

قد نصادف أسماء لا تحمل معانيها ما يمت لذائقتنا بصلة. ولكن هناك حتماً ما يجذبنا إليها، ويدفعنا للتبرك بها وتخليدها. فلا يمكن أن يغفل أبناء هذا الشعب كم من زايد سُمّي على قائدٍ صنعت أبوته غابات وارفةً، تفيأ براد ظلالها الصغار والكبار.. فمن كانت أياديه وطنا مسكونا بالإنسان، بهمومه وتفاصيله.. يستحق أجيالاً من الأسماء والأرواح.

الأسماء بكل ما يحفها من جدل، حول أسباب التسمية، والظروف والمواسم. هي مرآة بني البشر في حياتهم. فتلك رسالة للآباء والأمهات أن تحصّنوا بأسباب مقنعة، عندما يضعكم أبناؤكم في قفص الاتهام بسبب أسماء لا تروق لهم.. أو أجيبوهم كما قالت فيروز.. «الأسامي كلام.. شو خص الكلام.. عينينا هنّي أسامينا»..

أمل الفلاسي