كثير من العبادات التي فرضها الله عز وجل على المسلم أراد منها أن تتم في أحسن صورة وأكملها، حتى يحصل منها المسلم على آثارها الإيجابية الإيمانية والحياتية، وفي بعض الظروف رخص الإسلام لعباده أن يخففوا عن أنفسهم بعضاً من ركعات الصلاة، أو الصيام لمرض ولذا فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه»، وقال صلى الله عليه وسلم «إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته».

والرخصة إنما تطلق في مقابلة ما هو واجب. فمن الرخص الفطر للمريض والمسافر والفطر للحامل والمرضع خوفاً على ولديهما وقصر الصلاة وجمعها في السفر فكما يحب الله إتمام عدد ركعات الصلاة في الحضر، يحب قصرها في السفر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها»، وقال ابن عمر: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة. وهذا محمول على من رغب عن الرخصة لقوله صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني».

فالرخصة هي تسهيل الحكم على المكلف لعذر حصل. وقبل غير ذلك لما فيه من دفع التكبر والترفع من استباحة ما أباحته الشريعة ومن أنف ما أباحه الشرع وترفع عنه فسد دينه فأمر بفعل الرخصة ليدفع عن نفسه كبرها ويقتل بذلك كبرها ويقهر النفس الأمارة بالسوء على قبول ما جاء به الشرع ومفهوم محبته لإتيان الرخص أنه يكره تركه فأكد قبول رخصته تأكيداً يكاد يلحق بالوجوب بقوله: «كما يكره أن تؤتى معصيته»، «يقول الغزالي رحمه الله انه عليه الصلاة والسلام قال ذلك تطيباً لقلوب الضعفاء حتى لا ينتهي بهم الضعف إلى اليأس والقنوط فيتركون الميسور من الخير عليهم بعجزهم عن منتهى الدرجات، فما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للعالمين كلهم على اختلاف أصنافهم ودرجاتهم.

إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى مطلوباته الواجبة، فإن أمر الله تعالى في الرخصة والعزيمة واحد، فليس الأمر بالوضوء أولى من التيمم في محله، ولا إتمام الصلاة أولى من القصر في محله فيطلب فعل الرخص في مواضعها والعزائم كذلك فإن تعارضا في شيء واحد روعي الأفضل.

رجاء علي