عندما تخرج من ألمانيا ونال شهادة ال«MSC» في علم الأدوية كتبت عنه الصحافة الشيء الكثير ولأن والده كان يعمل في المجال الأمني والشرطي فقد طلب من ابنه أن ينضم إلى المختبر الجنائي الذي تم إنشاؤه حديثاً والتابع للشرطة
تفوق علمي
خلال وجوده في المختبر استغل الرجل الامكانيات العلمية المتوفرة في المختبر للتحضير لرسالة الدكتوراه وفعلاً تمكن خلال (4) سنوات من الحصول على شهادة (PHD) وأصبح يحمل لقب الدكتور فلان.
لم يتوقف الدكتور عن الأبحاث والدراسات، حيث بدأ يشارك في المؤتمرات العلمية العالمية التي تُعقد في الغرب وبدأت صورته ومقالاته تُنشر عبر المجلات العلمية مما دفعه لإنشاء موقع له على «الانترنت» كان يزوره المئات من طلاب العلم والمعرفة، ونتيجة لتفوقه العلمي ونشاطه الواضح في مجال علم الأدوية فقد تم تعيينه مديراً عاماً للمختبر الجنائي.
كان الدكتور شخصية متسلطة، وكان جميع من كانوا في المختبر يخافونه، ويخافون والده الذي كان لا يزال في السلطة والذي يتبوأ مكاناً مرموقاً، حيث وصل إلى نائب مدير الجهاز الأمني والشرطي.
كان الدكتور يعيش حياة ماجنة، فقد كان عمره لا يزال (28) عاماً ولديه المال الكثير والسلطة، وعندما تجتمع السلطة والمال مع رجل ماجن فإنه يفعل ما يريد من دون أن يقدر أحداً على ردعه، خاصة وأن مركز والده أعطاه الكثير من السلطة والتسلط.
في أحد الأيام أصدر والده قراراً بتعيين الدكتور مديراً عاماً للمستشفى الخاص بالجهاز الأمني والشرطي، ورغم أن هذا القرار أثار حفيظة البعض إلاّ أن أحداً لم يجرؤ على الاعتراض، فقد صدر القرار وتم توقيعه وباشر الدكتور مهامه الجديدة، حيث تم ذلك في أقل من (24) ساعة.
بدأ الدكتور يسافر إلى الخارج على حساب الجهاز الذي يعمل فيه وذلك بحجة متابعة المؤتمرات التي تُعقد في الخارج حول الأجهزة الحديثة والأدوية وأفضل الأساليب لمعالجة المدمنين من المخدرات حتى أن أسفاره للخارج فاقت عدد الأيام التي كان يقضيها في المستشفى، وبالطبع لم يكن أحداً قادراً على الاعتراض لأن والد الدكتور سيكون له بالمرصاد.
فتاة قوقازية
في أحد الأيام كان الدكتور ذاهباً إلى مكتبه عندما شاهد فتاة لا يزيد عمرها على (18) عاماً جالسة وبجانبها احدى الشرطيات، سأل الدكتور عن تلك الفتاة، حيث أخبروه بأنها بائعة هوى وأنه محكوم عليها بالترحيل إلى بلادها، لكنها أصيبت بآلام في معدتها وهي هنا في المستشفى تنتظر ليراها الطبيب.
طلب الدكتور إدخالها إلى الطبيب المختص فوراً وإحضارها له بعد الكشف عليها، تم تنفيذ ما أمر به الدكتور وبعد أقل من نصف ساعة كانت الفتاة القوقازية تجلس في مكتب الدكتور، كانت الفتاة جميلة للغاية، فلم يرها احد إلاّ أعجب بقوامها وجمالها وبشرتها التي تشبه الثلج وكأنها تشير إلى البلاد التي جاءت منها.
بدأ الدكتور يلاطف الفتاة القوقازية وبالطبع تجاوبت هي معه بشكل كبير، طلب الدكتور أن يرى التقرير الطبي الخاص بها، حيث تبين بأنها مصابة بمغص معوي وأن حالتها بسيطة للغاية، ولكن مع ذلك أمر الدكتور بإبقائها في المستشفى للملاحظة بحجة أن حالتها تستدعي ذلك. كما أمر بتنويمها في غرفة خاصة بها ورفع الحراسة عنها، بحجة أنها مريضة ولا تستطيع الهرب. خلال وجودها في المستشفى بدأ الدكتور يأتي إلى المستشفى مساءً رغم أنه لم يكن يفعل ذلك في السابق، وكان بالطبع يزور الفتاة القوقازية ويطمئن عليها ويحضر لها الورود والهدايا.
لاحظ الموجودون في المستشفى العلاقة الخاصة التي باتت تربط الدكتور مع الفتاة القوقازية، ومع أن الهمس بدأ يتعالى في الكواليس إلاّ أن أحداً لم يستطع أن يقول شيئاً خوفاً من الدكتور ومن والده، فأي كلام من هذا القبيل يعني تقديم الشخص للمحاكمة والسجن والطرد من الخدمة، لذا كان الجميع يقول «دع الخلق للخالق».
تعمقت علاقة الدكتور بالفتاة القوقازية حتى أنه بدأ يأخذها في سيارته بعد الساعة السابعة مساءً ويعيدها إلى المستشفى الساعة الخامسة فجراً. بعد أيام خرجت الفتاة القوقازية مع الدكتور كالعادة إلا أنها لم تعد إلى المستشفى الساعة الخامسة فجراً، كما كان الجميع يتوقع.
مرض مفاجئ
عرف بعض الذين كانوا يتابعون حالة الفتاة القوقازية بأنها تعرضت إلى نوبة مرضية مفاجئة وأنه تم نقلها إلى مستشفى خاص على حساب الدكتور. كان الجميع يتساءل (بصمت) عن سبب مرض الفتاة القوقازية وعن سبب عدم رجوعها إلى السجن لكن الجميع كان يخشى أن يصل هذا التساؤل (الذي هو بصمت) إلى الدكتور أو إلى والده، بدأ مدير القسم الذي كانت تحتجز فيه الفتاة القوقازية يسأل عنها طالباً إعادتها إلى القسم، حيث إن تغيبها يضعه في دائرة المسؤولين إلا أنه تلقى رسالة رسمية من الدكتور يقول فيها إن الفتاة قد تكون مصابة بمرض معدٍ كونها تمارس الرذيلة وأنه جار فحصها للتأكد من خلال التحاليل عن حالتها المرضية.
مضى على تلك الرسالة أكثر من أسبوعين ولم يتلق مدير القسم تقريراً عن مرض الفتاة أو عن سبب حجزها كل هذه المدة. عندها بعث مدير القسم رسالة رسمية إلى الدكتور طالباً فيها إعادة الفتاة إلى الحجز أو تقديم تفسير رسمي إلى تغيبها منذ أن ذهبت إلى المستشفى الأمني، لكن ما كاد الدكتور يتسلم الرسالة حتى تحدث إلى والده الذي بعث برسالة رسمية إلى مدير القسم طالباً منه الانتقال إلى قسم النقليات.
كانت رسالة النقل هذه مؤشراً على أن الجميع عليهم السكوت وعدم التحدث في هذا الموضوع نهائياً، لذا أثار كل من له علاقة بهذه الفتاة أن ينسى الموضوع وكأن شيئاً لم يكن. بعد نحو أسبوع اتصل المستشفى الخاص وأخبر الدكتور بأن الفتاة القوقازية توفيت وعليه أن يحضر لاستلام جثتها باعتباره هو الذي أحضرها للمستشفى.
كان تقرير الوفاة يشير إلى أن الفتاة ماتت بسبب هبوط حاد في الدورة الدموية وأن الوفاة طبيعية، لم يعرف الدكتور ماذا يفعل إلا أنه طلب من أحد الأشخاص الموجودين في المستشفى الذي يرأسه أن يتابع إجراءات تسلم جثة الفتاة متحججاً بأنه يريد السفر إلى ألمانيا لحضور مؤتمر هناك.
سافر الدكتور وترك زميله في ورطة لكن الزميل لم يكن قادراً على رفض ما طلبه منه الدكتور لأن مجرد رفضه يعني طرده من الخدمة.
اتصلت الشرطة بسفارة الفتاة طالبة منها أن ترسل أحداً يتسلمها لإعادتها إلى بلادها، وفعلاً تم تسفير الفتاة إلى بلادها ومعها شهادة من المستشفى الخاص عن سبب الوفاة.
كان الدكتور يتابع تفاصيل كل شيء عن طريق الهاتف، وبعد أن عرف بأن جثمان الفتاة قد سافر إلى بلادها عاد هو الآخر من ألمانيا.
لم يمض على وصول جثمان الفتاة أكثر من خمسة أيام حتى تلقت الجهات الأمنية رسالة رسمية من سفارة الفتاة تقول فيها بأنه تم تشريح جثة الفتاة وأنها وجدت بأنها تعرضت لعملية قتل مدبرة بشكل علمي وأن الجهات التي كانت تعالج الفتاة هي التي قامت بقتلها.
وطلبت السفارة تقريراً كاملاً عن الظروف التي دخلت فيها الفتاة إلى مستشفى الجهة الأمنية وكيف تم نقلها إلى المستشفى الخاص وعن نوعية الدواء الذي كانت تأخذه.
بدأت الأمور تأخذ منحنى آخر، حيث خرجت عن سيطرة الدكتور وعن سيطرة وبطش والده وجبروته، وأخذت سفارة بلاد الفتاة تتعامل مع جهات رسمية أخرى على مستوى عالٍ.
تقارير المستشفى
تمكن رئيس القسم الذي كانت تحتجز فيه الفتاة والذي تم نقله ظلماً إلى قسم النقليات من إرسال رسالة الكترونية إلى جهة مسؤولة يقول فيها إنه يعرف الكثير عن موضوع الفتاة، وأنه يتهم الدكتور ووالده بالتستر على أشياء غامضة كانت تجري في الخفاء وأن الدكتور كان على علاقة بتلك الفتاة وكان يأخذها بسيارته ويقضي معها الليل كله ورغم أن هذا مخالف للقوانين إلا أن الدكتور كان يحتمي بوالده وبسلطته الكبيرة التي يتمتع بها.
تم استدعاء رئيس القسم الذي أدلى بشهادته إلى الجهات الأمنية العليا في الوقت الذي بدأت فيه تلك الجهات العمل على معرفة كل الظروف.
تم استدعاء الدكتور الذي أنكر أن تكون له علاقة خاصة بتلك الفتاة وان علاقته كانت علاقة عادية مثل أي مريض آخر في المستشفى الذي يرأسه إلا أن أدعاء الدكتور لم يستمر طويلا فقد شهد الكثير في المستشفى بأنه كان على علاقة خاصة بالفتاة القوقازية مما استوجب توقيف الدكتور عن العمل حتى انتهاء التحقيق.
استدعت الجهات الأمنية العليا مدير المستشفى الخاص الذي كانت تعالج فيه الفتاة كما تم استدعاء الطبيب الذي كتب التقرير الخاص بالوفاة.
في أثناء التحقيق معها قال مدير المستشفى بأنه وقع التقرير بناء على توقيع الطبيب الذي كان يتابع الحالة وان توقيفه شيئا روتينيا لذا تم التركيز على الطبيب الذي كتب التقرير.
في أثناء التحقيق قال الطبيب بان الفتاة عندما حضرت إلى المستشفى كانت تعاني من تلف في الكبد نتيجة لتناولها أدوية مضافا إليها (هيدروكسيد الألمنيوم) وهو منشط يأخذه الرياضيون الا ان الفتاة كانت تأخذه بكميات كبيرة وعندما كانت تشعر بالآم نتيجة لذلك كانت تعطى مهدئ لـ veratile وهو مهدئ قوي جداً حيث إن 20 ملغراما منه كافية بقتل الإنسان.
وأضاف الطبيب: منذ أن فحصت الفتاة قلت للدكتور الذي أحضرها بأن الفتاة لن تعيش طويلاً لأن حالتها تجاوزت كل التوقعات وأصبحت في دائرة الخطر، لكن الدكتور ضغط عليّ وقال لي علي أن احتفظ بهذا السر مقابل عشرة آلاف دولار وضعها في حسابي في البنك.
وقال الطبيب ان الدكتور كان يتابع معه الحالة المرضية للفتاة كل يوم وعندما عرف بأنها توفيت طلب مني أن أكتب التقرير السابق الذي يشير إلى أن وفاتها ناجمة عن هبوط حاد في الدورة الدموية، وعندما رفضت قال لي إنه سيستخدم سلطاته وسلطات والدة بإنهاء خدماتي وتوريطي في مشاكل كثيرة إضافة إلى ذلك فقد وضع 25 ألف دولار إضافية في حسابي البنكي عند ذلك كتبت التقرير السابق وأنا آسف على ذلك.
ما كاد الطبيب ينهي اعترافه حتى اتصل احد الأشخاص الذين كانوا يحضرون التحقيق وأمر باستدعاء الدكتور للتحقيق معه، كان والد الدكتور يتابع من بعيد فقد شعر بالقلق على أبنه لذا بدأ يتصل ببعض الجهات محاولا استغلال منصبه للتأثير عليها لكن قبل ان يتم ذلك صدر أمر بإعفاء والد الدكتور من منصبه وتم إعلان ذلك في الصحافة حتى يشعر الجميع بان هذا (البعبع) قد انتهى دوره ودور ابنه وان عليهم ان يقولوا الحقيقة بدون خوف. حاول الدكتور ان يسافر إلى الخارج لكنه تفاجأ بان اسمه على قائمة الأشخاص الممنوعين من السفر.
التحقيق مع الدكتور
بدأ ضابط التحقيق حديثه مع الدكتور قائلاً ان الفتاة القوقازية لم تكن بائعة هوى كما كان يعتقد الجميع بل هي شخصية مهمة جداً في بلادها وانها كانت في مهمة خاصة جدا، وانه عندما تم ايداعها السجن لم تتدخل سفارة بلادها لإخراجها حتى لا ينكشف أمر مهمتها.
وأضاف الضابط ان المسألة خطيرة للغاية وان عليك ان تقول الحقيقة كاملة حتى لا تتورط جهات أخرى معك. قال الدكتور أنا لا أعرف حقيقة تلك الفتاة الا أنها بائعة هوى وعندما جاءت إلى المستشفى الذي أرأسه أعجبت بها وكانت لي معها علاقة خاصة، ولانها لم تكن متعاونة معي في أثناء السهر كنت أعطيها حبوبا تحتوي على هيدروكسيد الألمنيوم لدفعها كي تكون «نشيطة»، وعندما كانت تشعر بالألم كنت أعطيها مهدئا قويا هو versatile ولم أكن أتصور بأن الأمور ستصل إلى ما آلت إليه.
تم إيداع الدكتور في السجن في حين تقدم ثلاثة من زملائه إلى المحكمة قائلين ان رسالة الدكتوراه التي حصل عليها هي مجموعة لأبحاث قاموا بها معاً وأنه أخذها منهم قبل أن يقدموها إلى مؤتمرات علمية كان من المفروض أن يشاركوا فيها، مطالبين بإعادة تلك الأبحاث لهم.
في الوقت الذي بدأت فيه المحكمة بحث الطلب المقدم من زملاء الدكتور، كانت التحقيقات قد أخذت منحى آخر عن الفتاة القوقازية وعن مهمتها وماذا أخذت.. وماذا سجلت وماذا حققت في تلك المهمة التي كانت قادمة من أجلها.
إعداد ـ أحمد سلطان
