ينساب الحديث عن الماضي بحنان، وينزلق في تعرجات الذاكرة بسرعة مذهلة. وكأن الذكريات فاكهة حديثةُ القطف، نتحسسها بفرح، وتبرر انشغالنا بها باللذة. على الضفة الأخرى كانوا أجدادي.. المسافات تختصر أزمنة.. على مقربة من هنا سكنوا .. على سطح هذا الشريان عبروا.. وتهادت سفنهم بكفاح، وبين الضفتين سُجلت أحداثُ نحن امتدادها.

كنّا نجلس بعد زيارة الطبيب على ضفة بر دبي، حيث سكنّا قديماً.. ونتأمل بسعادة بيت جدنا «العود» على الضفة الأخرى بر«ديرة» .. حيث كان البيت الأكبر بين عناصر العمران المتواضع في أوائل ستينات القرن الماضي.. نتأمل الخور .. الهواء المندفع برائحة المياه والخشب.. صوت ارتطام المياه بالمرسى يطبق على الأحاديث الجانبية.. نعود بعدها وكأنها رحلة في صندوق الدنيا. العبرة ليست لحظات تأمل فقط .. بل هي «فال خير» .. ارتبط بحكاية قديمة، يقال إن ركوبها قد يكون علاجاً لمن تزوجت وتأخر حملها.. فيكون الانتقال من ضفة إلى أخرى سرُ يكمن فيه الإنجاب.

إبحار

كان الموعد بعد التاسعة صباحاً عند مرسى العبرات في بر دبي، أو ما يُسمى محطة السوق القديم..

الماء والعصير الخارجان للتو، من ثلاجة أحد أقدم الدكاكين المستلقية على الخور ، ضروريان في صيف دبي.. والرحلة جديرة باحتفاء كهذا، إذ ان المشاعر المسيطرة تُفرش لها الذاكرة، وتُستقبل بمذاق الحنين.

مرة أخرى، العباءات محط استغراب في رحلة ركابها من صنفٍ واحد..

خطوات متأنية على المرسى الخشبي المؤدي للعبرة، خوفاً من انزلاق يعكر صفو الرحلة.. السائق لا يتوانى في الاهتمام بالصنف الجديد من الركاب، إيماناً بضرورة ترك انطباع إيجابي لدى أحفاد العبرة.. عندها بدأ بقية الركاب بالتسابق إلى المرسى في رحلة شبه يومية يسلكونها بين البرين.. بقفزات واثقة ومشية متّزنة يصطفون على المقاعد..

فبذلك هم يختصرون عناء التنقل البري والازدحام المروري بين بري دبي وديرة، بينما لا تتجاوز الرحلة بالعبرة - المشغّلة بالمحرك- الخمس دقائق بتكلفة درهم واحد. وبحسب إحصائيات العام 2008 ، فإن 149 عبرة تابعة لهيئة الطرق والمواصلات في دبي، نقلت ما يفوق 20 مليون راكب سنوياً.

إلى جانب العبرات المشغلة بالمحرك، توفر هيئة الطرق والمواصلات العبرات التقليدية. التي تُسير بالمجاديف من خلال محطتين الأولى في حديقة الخور والثانية، محطة المكتبة العامة للعبرة بالمجداف من خلال 5 عبرات، و 40 رحلة يومية تنقل ما يقارب راكباً.

استمرار

كما هي دبي تماماً. فالعبرة لا تنام. بل تستريح.. الحركة مستمرة ليل نهار. والعبرات تحفر مساراتها على سطح خور دبي برشاقة.. وتجيد الانزواء بين أذرع المرسى بتآلف معهود. تنقل رحلات العبرة -التي تتولى الإشراف عليها هيئة الطرق والمواصلات في دبي الركاب عبر خطين. الأول ينطلق محطة سوق ديرة القديم إلى محطة بر دبي للعبرات ذهاباً وإياباً.

والخط الثاني من محطة السبخة في ديرة إلى محطة سوق بر دبي القديم للعبرات وبالعكس. وتستقبل وسيلة النقل الأقدم في دبي ركابها على مدار الساعة، حيث تمتد ساعات العمل من 5 صباحاً إلى الثانية عشرة منتصف الليل في الخط الأول، بينما تُسير الرحلات عبر الخط الثاني على مدار 24 ساعة.

الانتقال بالعبرة كان بعيداً عن رحلاتنا اليومية الغارقة في الروتين، حيث التأمل حاضر والتفاصيل مهمة.. انطلقت العبرة بعد اكتمال أعداد الركاب. هناك صفان من المقاعد المتجاورة في صفين غير متقابلين. تنقل العبرة حداً أقصى من الركاب يبلغ 20 راكباً، وتُبحر في رحلات متتالية بمجرد اكتمال العدد، وذلك بعد أن يقوم سائقها بتحصيل مبلغ الرحلة إيذاناً بالانطلاق.

تفاصيل

الهواء المندفع تحت أشعة شمس صيفية بامتياز، كفيل بأن يخلع عنك الشعور بالحر.. والأشعة المتكسرة على سطح المياه ترسل بشائر الصبح .. أخشاب العبرة توحي بالعمق والقدم.. وبين البرين هناك ما يستحق التأمل عن قرب. تشبه العبرة عند اقترابها من البر الآخر عدسة المجهر.. فتتضح من خلالها فقط تفاصيل اللوحة المتحركة، وتنفرد ألوانها بصورة مذهلة.

على الرغم من تنامي العمران، تلوّح البيوت القديمة ببراجيلها للقادمين.. وتفوح رائحة الماضي من البهارات والأعشاب المكتنزة في دكاكين السوق القديم في ديرة. البيوت المتراصّة بعشوائية.. المساجد والسوق القديم لقطات توحي بحياة سرت منذ القدم. غير أن إحساساً بشوقها لمزاحمة الحداثة لا يزال مسيطراً. حركة دؤوبة. سفن البضائع الراسية على الضفة، تخلق حراكاً لا يتوقف. تنزيل البضائع وتحميلها لغة المكان.. وأفواج السائحين تتوافد في الصبح والمساء.

جولة في الساحات والدهاليز، تُعطي الرحلة بُعداً أجمل. تم الاتجاه على إثرها مشياً على الأقدام إلى محطة السبخة، طمعاً في العودة بالباص المائي، الذي ينطلق كل نصف ساعة، بحسب مراكز الاستعلام المتواجدة على أرصفة العبرات عند الضفتين، والتي تمكنك من الاستفسار عن خدمة النقل البحري.

بينما العبرة كانت في الانتظار.. هذه المرة بثقة أكبر، تم الانتظام على المقاعد.. هو يقفز في وسط العبرة ويجلس بسهو .. دونما اكتراث بزوجته التي لحقته بتعثّر، وجلست إلى جانبه والجميع يتابع المشهد باستغراب.. «لماذا لم يعاونها على الركوب في العبرة؟».. هكذا النساء دائماً يُمعنّ النظر في التفاصيل، بينما الرجال لا يلقون لها بالاً، كما العبرة تماماً الحكايات تكمن في التفاصيل.

أمل الفلاسي