الدكتور عبد الغفار هلال العميد السابق لكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، أحد أهم مفسري القرآن الكريم في المنطقة العربية، له العديد من المؤلفات في الدراسات الإسلامية واللغوية منها «الله والكون، تجويد القرآن الكريم في ضوء علم الأصوات الحديثة، التفسير البياني للقرآن الكريم، مناهج البحث في اللغة والمعجم، أصوات اللغة العربية، أصل العرب ولغتهم بين الحقائق والأباطيل».

وفي حوارنا مع الدكتور هلال تطرق إلى العديد من القضايا الفقهية والفكرية التي فرضت نفسها على الساحة الإسلامية مؤخرًا، وأثير حولها جدل شديد.. كما تحدث عن قضية التفسير البياني للقرآن الكريم والأزمات التي تشهدها الساحة الإسلامية مؤخرا، سوف نتعرف إليها من خلال هذا الحوار..

تشهد الفترة الأخيرة هجوما ضاريا على الإسلام والمسلمين وبطرق عديدة بماذا تفسر ذلك؟

الهجوم على الإسلام في رأيي راجع لأسباب سياسية بحتة، وهو يتأتي من الحكومات، وليس من الشعوب، فبالرغم من أن الشعوب الغربية تقرأ كثيرا، إلا أنها لا تعرف عن الأديان بصفة عامة والإسلام تحديدا شيئا، ففكرتهم عن الأديان ضعيفة حتى أن الكنائس هناك مغلقة، ولا يرتادها إلا عدد قليل جدا، وبالتالي فعندما يقول لهم الحكام أو القادة إن المسلمين إرهابيون فإنهم يصدقون ذلك.

معنى كلامك أن المسلمين يتحملون وحدهم مسؤولية هذه النظرة الخاطئة لهم ولدينهم..

بالطبع.. فالرجل الغربي مسؤول منا ونحن مقصرون؛ فالمفترض على سبيل المثال إعداد الدعاة الموفدين إلى هناك إعدادا جيدا حتى يظهرون للشعوب الغربية حقائق الإسلام، وللأسف هناك عدد غير قليل من الدعاة ما يكون خاويا من الفكر والثقافة الإسلامية، وبالتالي لا يستطيع الرد جيدًا على ما يوجه إليه من أسئلة خاصة بالإسلام، بل أحيانا ما يرد بإجابات خاطئة من شأنها أن تبعد الأوروبيين عن الإسلام.

هل يشترط في الداعية أن يكون ملما باللغات المختلفة كي يتواصل مع سائليه بشكل أكبر؟

أرى أن اللغة ليست حاجزا أو حاجبا للوصول إلى الآخر؛ فمن الممكن وجود مترجمين يقومون بترجمة ما يصدر عن العلماء الموفدين هناك لبيان صحيح الإسلام، أما أن تقول إنه يجب أن يكون العالم ملمًا باللغة الأجنبية، ثم نأتي بأنصاف مثقفين أو علماء ثم يذهبون إلى هناك ويسيئون للإسلام أكثر ما ينفعونه فهذا أمر غير مقبول.

في ضوء ذلك كيف تنظر إلى الخطاب الديني في الوقت الراهن؟

يحتاج الدعاة إلى تعميق علمهم بالكتاب والسنة وبالشروحات التي شرحها العلماء في القديم والحديث مع عرض القضايا الاجتماعية على الأئمة؛ بحيث يكون الداعية ملما بعلم الاجتماع وعلم السلوك وعلوم النهضة وحتى البورصة.. إلا فكيف يمكن له أن يفتي دون علم، والوزارات والهيئات المختصة يجب عليها توفير كل ما يحتاجه الدعاة من معلومات حتى يكونوا مثقفين ثقافة عامة تساعدهم على التحدث في موضوعات الساعة.

برأيك.. كيف يمكن تصحيح صورة الإسلام في الغرب واقعيا؟

هناك العديد من الوسائل لإظهار الصورة الحقيقية للإسلام.. كنا قديما نصدر كتيبات صغيرة عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم على أن تتم ترجمتها إلى مختلف اللغات وإرسالها إلى مختلف الدول لبيان سيرة النبي الكريم، وبيان صفاته ودعوته وأخلاقه، وذلك كخطوة أولى في بيان صحيح الإسلام، على أن تتبعها خطوات أخرى.. والخلاصة أن الكتب ستكون خير وسيلة للرد على من يهاجمون الإسلام شرط أن يتم اختيار مضمونها بدقة وتوزيعها بشكل جيد في الأحياء والجامعات والمدارس وغيرها.

ذكرت أهمية الكتب ولم تتطرق لما يسمى ب«الحوار بين الأديان»؟

الحوار بين الأديان مطلوب على أن يكون على مستوى التكافؤ، وليس من منطلق القوى والضعف، فالغرب ينظر للإسلام على أنه دين عنف وإرهاب، ونحن دائما ما ندافع، وهذا يفرغ الحوار من مضمونه الذي يجب أن يكون مبنيا على ما الذي يمكن أن نستفيده منهم، وما الذي يمكن أن يستفيدوه منا؛ غير أن ذلك يتطلب محاورين كبار على عمق بالدراسات الإسلامية والدينية بشكل عام.

كما يجب طرح ورقة عمل تؤكد التكافؤ بين المتحاورين انطلاقا من قوله تعالى {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكافرين} بحيث تكون الدعوة قائمة على المشاركة؛ فالرسول وهو يحاورهم قال لهم:تعالوا.. ثم قال{وأنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}، فالحوار يجب أن يكون على مستوى الرأي بالرأي والفكر بالفكر.

يطالب البعض بعودة لجان التقريب بين المذاهب والبعض يرى أنه لا فائدة منها.. ما رأيك؟

أنا مع عودة اللجان شريطة أن تنفذ الحكومات كل ما تخرج به من توصيات، فكم من أوراق عمل وتوصيات خرجت بها المؤتمرات الإسلامية ولم يؤخذ بها.. وإذا كان هناك من يقول إن نقاط الاختلاف أكبر من نقاط الاتفاق بين الطرفين، وبالتالي لا يمكن التقريب بينهما، فأرد عليه بالقول إنني قارئ في المذهب الشيعي، وأستطيع أن أؤكد أن نقاط الاتفاق أكبر من نقاط الاختلاف.

دعنا نتوقف هنا عند «التفسير البياني للقرآن الكريم» وهو أيضاً عنوان لأحد مؤلفاتك.. فماذا يعني؟

التفسير البياني يقوم على الإعجاز القرآني في الجانب اللغوي، فالكلمات والعبارات والجمل في القرآن الكريم لا تفهم فهمًا حقيقيًا إلا بناء على الفهم اللغوي، فمثلاً يقول تعالى في سورة البقرة {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة}، وعندما نبحث في معنى »يقيمون الصلاة« نجد أن هناك أكثر من معنى مثل يؤدون الصلاة، وهذا معنى سطحي وقريب جدا، وهو يعد فرعًا من المعاني الأساسية لإقامة الصلاة، وهناك معنى آخر ل»إقامة الصلاة« مأخوذ من «أقام في المكان» بمعنى «داوم عليها»، وهناك معنى آخر مأخوذ من القول «قومت العود» أي أعدلته وأصلحت اعوجاجه.

وتعني هنا في الآية أداء الصلاة في تؤوده وتأن، وفي طمأنينة فيقرأ الشخص في طمأنينة، ويركع في طمأنينة، ويسجد في طمأنينة.. وهكذا، وهناك معنى آخر مأخوذ من القول «قامت السوق» أي راج البيع والشراء، وفي هذه الحالة يقبل المشترون على الشراء والتجار على البيع، وبالتالي فإقامة الصلاة وفق هذا المعنى تعني الإقبال عليها بحب فإذا أقبل عليها المسلم فإنه لا يدخلها مكرها أو متثائبا وبكسل، وإنما بحب، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «جعلت قرة عيني في الصلاة»، وكذلك قوله «أرحنا بها يا بلال»، وهكذا فالكلمة أو الجملة قد يوجد لها أكثر من معنى.

وكيف في رأيك يمكن مواجهة فوضى الفتاوى في الفضائيات؟!

يجب تنظيم هذه الفتاوى بحيث يجتمع رؤساء القنوات الفضائية والوقوف على منهج معين لعملها من خلال وضع آليات وضوابط محددة، وإذا وجد أي تعارض أو تناقض بين الفتاوى يجب عليهم التقريب بين وجهات النظر.

- قال الكثير من العلماء إن الأزمة المالية العالمية تفتح الباب على مصراعيه أمام الصيرفة الإسلامية كبديل وحل للأزمة الراهنة.. ما تعليقك؟

* هذا صحيح.. وهذا ليس بجديد على الغرب الذي أخذ قبل ذلك جوانب كثيرة من الشريعة الإسلامية لمواجهة متطلبات الحياة، فعلى سبيل المثال استفادت فرنسا من الفقه المالكي عند وضع قانونها، ولكن يجب تقديم الخيار الإسلامي في الاقتصاد بشكل جيد يتضمن برمجة واضحة لضوابطه وآلياته، وهذه هي مسؤولية رجال الدين.

وما الذي يميز الصيرفة الإسلامية عن الصيرفة التقليدية؟

أنها لا تتعامل بالربا الذي يعد عقدة الاقتصاد الغربي وسبب انهياره.

حتى الآن مازال الجدل مثارا حول فوائد البنوك التقليدية وهل هي حرام أم حلال؟

الفيصل في كونها حراما أم حلالاً يتوقف على تعامل البنوك فإذا كانت تتعامل فيما يغضب الله مثل الأشياء المتعلقة بالخمر والخنزير أو المحرمات فهي حرام.