كل إنسان في هذه الحياة يسعى للحصول على المال، وهذا شيء طيب، لكن إذا تدخل الحرص على جمعه وتكثيره بطرق ملتوية، فإنه يكون ضاراً بصاحبه وليس للإنسان من ماله إلا ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو تصدق فأبقى.
قال تعالى: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) [التغابن 15].
قال أبو حاتم رضي الله عنه: أغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيراً، وأفقر الفقراء من كان الحرص عليه أمير، لأن الحرص سبب لإضاعة الموجود عن مواضعه، والحرص محرمة كما الجبن مقتله، ولو لم يكن في الحرص خصلة تذم إلا طول المناقشة بالحساب في القيامة على ما جمع لكان الواجب على العاقل ترك الإفراط في الحرص، لكننا مطالبون بالسعي في الأرض لتحصيل الرزق والحصول على المال وأمرنا ألاّ نبدده فيما لا طائل من ورائه حتى لا ندخل في دائرة المبذرين إخوان الشياطين. ومن استثمر ماله في الحلال سواء في تجارة أو في تضييع ما يحتاجه البشر ضاعف الله أجره وضاعف ماله.
وقد وضع الإسلام قواعد ثابتة للحصول على المال حتى لا نلوث أنفسنا بالسحت والمال الحرام، وحتى تكون قلوبنا أوعية لتجليات ربنا وحتى تكون صلتنا بالله عز وجل موصولة، ولن يتأتى ذلك إلا إذا كففنا أيدينا عن المال الحرام والكسب غير المشروع كالذين يحتكرون السلعة ويرفعون الأسعار في الوقت الذي يريدونه مستغلين في ذلك حاجة الناس أو الذين يحرصون على جمع المال عن طريق الرشوة.
ويعجب الإنسان حينما يواجه في هذه الحياة أناساً رغم حاجتهم للمال تجدهم يتمسكون بأخلاقهم الإسلامية ويرفضون الرزق الحرام، عرفت بعض هؤلاء الطيبين الراضين الذين يعملون بشرف للحصول على الكسب الحلال، عرفت بعضهم يرضى بما قسمه الله ولا يقبل الرشوة.
وكان يمكنه لو فتح يده للحرام أن يجمع المال الكثير، لكنه قال إن ضمائرنا تعصمنا من أن نأخذ شيئاً لا نستحقه والبركة في القليل، والحمد لله.
وفي مقابل هذا النموذج المشرف، صادفت نموذجاً آخر قد باع ضميره بعد أن جرفه تيار حب المال ومد يده ليأخذ رشوة مقابل إنهاء معاملات الناس، ورغم ما جمعه من مال، إلا أنه قال بعد أن ناقشته لماذا يرتكب محرماً، وبينت له أن ما يأكله سحت، فقال: إنني غير سعيد في حياتي. فقلت له: لماذا وأنت تجمع مالاً كثيراً؟ فقال: إن أبنائي يأخذون ما أجمعه من مال ويصرفونه على أصدقاء السوء، فأصبح كل ما أجمعه لا يكفي. فقلت له: هذه عدالة السماء.
لقد نسي هذا أنه سيأتي يوم ويغادر الحياة وسيحاسب على كل ما فعله، وعندها سيقول كما قال الحق سبحانه وتعالى: (ما أغنى عني ماليه).
وقال الحق سبحانه وتعالى فيه وفي غيره من الذين يقبلون المال الحرام والذين يحرصون على جمعه بأي طريقة: (ما أغنى عنه ماله وما كسب).
روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا خضرة حلوة من اكتسب فيها مالاً من حله وأنفقه في حقه أثابه الله عليه وأورده جنته، ومن اكتسب فيها مالا من غير حلّه، وأنفقه في غير حقه أحلّه الله دار الهوان، وربّ متخوص في مال الله ورسوله له النار يوم القيامة». قال تعالى: (كلما خبت زدناهم سعيرا).
قال أبو العتاهية:
إذا المرء لم يعيق من المال نفسه
تملَّكه المال الذي هو مالك
ألا إن مال المرء ما هو مُنْفِق
وليس له المال الذي هو تارك
حامد واكد
