كثيرة هي المفاهيم التي تختلط لدى الكثير من الممثلين، لعل أبرزها مفهومي الزكاة والضرائب، واللذين كثر الحديث حولهما مؤخرا وحول مدى أحقية الدول والحكومات في فرض ضرائب، زيادة على ما فرضه الله ورسوله من زكاة للوفاء باحتياجات المجتمع..
وقد انقسم علماء المسلمين حول هذه القضية إلى فريقين..الأول يؤكد شرعية تحصيل الضرائب وأنه لا حرمة في جمعها بصورتها الحالية إذا كان الهدف من استخدامها للصالح العام كبناء المستشفيات والطرق وغيرها من المشروعات الخدمية التي تعود بالنفع على كل مواطن سواء كان غنيًا أم فقيرًا، مؤكدا أن جمعها يكون من باب «الضرورات تبيح المحظورات»، ولكنها لا تغني عن تأدية فريضة الزكاة.
أما الفريق الثاني فأكد على أهمية جمع أموال الزكاة أولاً فإن لم تف باحتياجات المجتمع كان من حق الدول اللجوء لجمع الضرائب للصرف منها على مشروعاتها.. وما بين تناول كل فريق لقضية الزكاة والضرائب من واقع اجتهاده استطلعنا رأي علماء عبر السطور التالية.
المفكر الإسلامي د. عثمان علي أكد أن شريعة الإسلام نظمت حركة الأموال داخل المجتمع على أرقى ما يمكن فوضحت لأتباع الإسلام أن المال ملك الله وحده، ونحن مستخلفون في هذه الأرض ومؤتمنون على هذا المال، ولذلك يجب علينا أن نصرفه في مصارفه الشرعية، التي أمر الله بها في كتابه العزيز {وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}.
من هذا المنطلق يؤكد المفكر الإسلامي أن ما يتم أخذه من قبل الدول والحكومات سواء في صورته الضريبية لوضعه في الخزينة العامة، أم في صورة الزكاة لإعطائه للفقراء والمحتاجين فهذا أمر حلال ولا حرمة فيه، ما دام أن ذلك سيصب في صالح مواطني هذه الدول.
وأشار الى أن هناك اختلافا بين الضرائب والزكاة لكن تحصيل الضرائب لا يغني عن الزكاة، لأن الثانية أمر رباني وحق لكل فقير، ولذلك فكل شخص لا يؤدي زكاة ماله بحجة أنه يدفع ضرائب إلى الدولة فقد امتنع عن أداء فرض من فرائض الله، ويصبح بذلك آثما وعليه الذنب.
ويستطرد عثمان: في الماضي لم تعرف الضرائب، ولكن نتيجة لاختلاف العصور وتغير طبيعة البشر، وظهور التقدم التكنولوجي والعملي، فرضت الضرائب على أصحاب المؤسسات، وأصحاب الحرف نتيجة الخدمات التي تقدمها الدولة لهذه المؤسسات حماية من الأعداء، وتوفير وسائل المواصلات والاتصالات، وغيرها، لذلك لزم فرض هذه الضرائب لتنمية المجتمع من الناحية الخدمية وهذا أمر واجب لا حرمة فيه.
نفس الرأي يؤيده د. طه حبيش - أستاذ العقيدة والفلسفة مؤكدا أن تحصيل الضرائب أمر جائز شرعًا ولا حرمة فيه، ولكنها لا تغني عن تحصيل الزكاة، لأن الضرائب من صنع المخلوق أما الزكاة فهي إحدى الفرائض الخمس التي بني عليها الإسلام.
حبيش أشار الى أن هناك فروقا عديدة بين الزكاة والضرائب، فالزكاة نسبة محددة وهي 5,2% بالنسبة للأموال السائلة والذهب، و5% بالنسبة للمزروعات والثمار إذا كانت ستروى بتكلفة، أما إذا كانت ستروى بغير تكلفة فنسبتها 10%. بينما مسألة الضرائب تخضع للجزاف أي للتقديرات، والتي قد يكون فيها شيء من الظلم سواء على الدافع المتمثل في المواطن، أم الدولة التي تقوم بعملية التحصيل لأنها عملية تقديرية في المقام الأول بعكس الزكاة.
وعن عدم حرمة أموال الضرائب أكد أستاذ العقيدة والفلسفة،أن هناك بعض الدول التي تكون في أشد الحاجة إلى ذلك لبناء مستشفيات وتوفير بعض ضروريات الحياة اللازمة للمجتمع، ولذلك وجب على أصحاب الحرف وكبار رجال الدولة من رجال الأعمال وأصحاب المصانع وغيرهم أن يساهموا في تحقيق ذلك.
د. منيع عبد الحليم - أستاذ التفسير وعلوم القرآن وعميد كلية أصول الدين الأسبق أكد أن تحصيل الضرائب أمر حلال لا حرمة فيه من باب «الضرورات تبيح المحظورات» ولحاجة الوطن إلى مثل هذه الأموال لبناء المستشفيات، والطرق والكباري والجامعات وغيرها من الأمور الأخرى التي لا ينصلح حال المجتمع إلا بها.
المسلم بحسب عبد الحليم، له حقوق على دولته، وكذلك عليه واجبات اتجاه وطنه، وهذه الضرائب التي يدفعها تعتبر من ضمن الواجبات، مشيرًا إلى أن أموال الضرائب تدفع من قبل القادرين وأصحاب المؤسسات والحرف ويستفيد بها الجميع الغني والفقير معًا، لأن المؤسسات التي تقام من هذه الأموال لا تخصص لفئة على حساب أخرى، بعكس الزكاة التي تخص فئات معينة فقط، وهي الفئات التي وردت في القرآن الكريم {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها وفي الرقاب والغارمين وابن السبيل}،
ولذلك فهناك فرق كبير بين الضرائب والزكاة، ودفع الضرائب لا يسقط حق الفقير في الحصول على أموال الزكاة، والتي لا تعد منحة ولا هبة من قبل الأغنياء، وإنما حق شرعه الله لهم {وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} أي في أموال الأغنياء حق معروف ويجب عليهم إخراجها سنويًا وإعطاء المال للمحتاجين وغير القادرين.
ويختلف معهم في الرأي الداعية الإسلامي الشيخ يوسف البدري عضو مجمع البحوث الإسلامية الذي أكد أن تحصيل الضرائب بهذا الشكل أمر مخالف لشريعة الإسلام لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «ملعون كل صاحب مكس»، والمكس المقصود به الضريبة في العصر الحالي، وأضاف أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وضح أن المكس «الضرائب» لا يكون إلا على غير المسلمين من أهل الذمم وغيرهم، ولذلك فهو كان يأخذ «مكس» على الخيل الخاصة بغير المسلمين في عصره.
أضاف إنه في كتاب الخراج لأبي يوسف أوضح فيه أن الخراج وهو ما خرج من الأرض من ثمار وغيرها عليها زكاة أو ما يخرج عن الدواب إذا كان صاحبها ينتفع بها وهذا يختلف عن المكوس، مشيرًا إلى أن الإحصائيات أكدت أن الزكاة التي فرضها الله على الأغنياء لو جمعت بطريقة صحيحة وبنسبها المحددة وصرفت في مصارفها الشرعية فإنها ستكفي حاجة الفقراء، ولن تكون في حاجة إلى جمع ضريبة أو غيرها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما معناه: «إن الله فرض في أموال الأغنياء ما يقضي حاجة الفقراء، فإن جاع فقير منهم فويل للأغنياء من الفقراء».
واستطرد الداعية الإسلامي قائلا: فرضت الضرائب بعد أن اختلطت الدول الإسلامية بالدول الأجنبية، فاهتمت الدول العربية بجمع الضرائب وإهمال الزكاة، خصوصًا أن الضرائب توضع في ميزانية الدولة، مشيرًا إلى أن هناك بعض العلماء المشهود لهم بالعلم كالشيخ القرضاوي أحل هذه الضرائب وأوجد لها من الإسلام ما يجعلها حلالا، ونحن نقدر علمه الغزير.
وطالب البدري جميع المسؤولين بالاهتمام بجمع الزكاة أولاً وتوزيعها على الفقراء، وتوفير احتياجات الدولة فإن لم تف أموال الزكاة بذلك وجب عليهم فرض الضرائب بمقدار يتناسب مع الجميع وحسب إمكانية كل فرد، ولذلك نكون قدمنا الفرض على الاجتهاد، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاع المسلمون فلا مال لأحد».
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

