كان واضحاً بأن حريق الفيلا كان متعمداً وأن المرأة وطفليها ماتوا بغاز أول أكسيد الكربون السام رغم أنها كانت صماء وبكماء إلاّ أنه أصرّ على الزواج منها فقد أحبها من أول نظرة ولم يعد قادراً على الاستغناء عنها أقسم الزوج بأنه لم يقتل زوجته وولديه لكن جميع الأدلة كانت تشير إلى أنه هو القاتل في أحد الأيام تلقيت ومجموعة من كبار المسؤولين في الجهاز الذي نعمل فيه دعوة لحضور حفلة يعود ريعها لذوي الاحتياجات الخاصة.
وكانت الحفلة وفقاً لبطاقات الدعوة تحتوي على فقرات غنائية وترفيهية عدة من بينها فقرة عبارة عن لوحة فنية لفتيات من ذوي الاحتياجات الخاصة كنت وزميلي (ر) في الجهاز إضافة إلى كبار المسؤولين الآخرين نجلس في الصف الأول، وكان لا يبعدنا عن المسرح الذي تجري عليه فقرات الحفل سوى ثلاثة أمتار أو أقل، ولهذا كانت وجوه كل من يقف على المسرح قريبة منّا ونرى ملامحها بكل وضوح.
توالت الفقرات.. وأخيراً جاء دور اللوحة الفنية لفتيات من ذوي الاحتياجات الخاصة، كان الجميع يسأل كيف لهؤلاء الفتيات أن ينفذن لوحة فنية من دون موسيقى، لكن الحق يقال، فقد قُمن بعمل أكثر من رائع إذ كُن يقمن بتجسيد اللوحة بطريقة غاية في الاتقان والتميز.
في هذه الأثناء همس (ر) في أذني قائلاً هل تؤمن بالحب من أول مرة، فقلت ماذا تقصد، فقال أريد أن أتزوج الفتاة التي تحمل سلة الورد، فقلت له إنها فتاة غاية في الجمال، فعندما تنظر إليها كأنك تنظر إلى (كلوديا شيفر)، فرد قائلاً إنها أجمل منها بكثير.
بعد انتهاء الحفل عُدت مع (ر) في السيارة ذاتها، وطوال الوقت كان يتحدث عن رغبته في الزواج من تلك الفتاة، وعندما ذكرته بأنها لا تسمع ولا تتكلم (صماء) قال لي إن ذلك لا يهم، كنت أظن أن (ر) سينسى موضوع تلك الفتاة، لكنه طلب مني في اليوم الثاني أن أذهب معه إلى المستشفى ليسأل أحد الأطباء هناك إن كان مرض الصُم (يُورث) أم لا؟
وكانت فرحته لا توصف عندما أخبره الطبيب بأن الفتاة الصماء يمكن أن تلد طفلاً سليماً، ولم يُضيع (ر) الفرصة حيث ذهبنا مباشرة من المستشفى إلى حيث الدار التي تعيش فيها الفتاة، وهناك قابلنا المسؤولين في الدار وتم كل شيء. بعد أقل من عام كان (ر) يوزع علينا الحلويات في المكتب فقد أنجبت له زوجته فتاة جميلة لا تقل حسناً وجمالاً عن والدتها.
مرت الأيام على (ر) وزوجته التي أنجبت طفلاً ذكراً وهكذا تحولت حياة (ر) من رحلات إلى دول جنوب شرق آسيا وسهر في الدفاق حتى الصباح إلى حياة زوجية هانئة لا يعكرها أي شيء. كان (ر) سعيد بأسرته فقد كان يضع صورة ابنه وابنته أمامه في السيارة، وعندما كنت أسأله عن زوجته كان يضحك ويقول أجمل ما فيها أنها لا تستطيع أن تسألني أين كنت ولماذا تأخرت، وحتى عندما تثور وتغضب لتأخري بعض الشيء كنت أعرف ذلك في عينيها وحركات يديها لكنني أتظاهر بأنني لا أعرف ما تريد.
رغبة في الطلاق
في أحد الأيام كنت ذاهباً مع (ر) للتقصي عن جريمة قتل في مدينة بعيدة وخلال الرحلة أخبرني بأنه يرغب في تطليق زوجته، وهنا ثُرت في وجهه وبدأت أدافع عن زوجته وعن أطفاله، فقال لي أنا أتفهم دوافعك الإنسانية، وهي تتصور بأنني لا أفكر في هذا الأمر، وأضاف عندما أفكر بأنني سأطلقها أشعر بغصة ألم في نفسي، فربما لن تستطيع العودة إلى الدار التي كانت فيها وليس لها أهل أو أقارب هنا.
ثم ماذا سيكون شعورها عندما تعرف بأنها ستفقد بيتها وطفليها وزوجها، وقال إنني أفكر في كل هذه الأمور ولكن لم أعد أطيق العيش معها، فأنا أريد أحداً يسمعني كلمة حب أو حتى كلمة عتاب، أريد من يتكلم معي، فالصمت يقتلني حتى انني أصبحت أكره البيت لأنني أكره الصمت الذي ليس له آخر.
ساد الصمت بيننا ورأيت بعض الدموع تنزل من عينيه، وحاولت أن أهدئ نفسه، فقلت له تزوج من غيرها ولا داعي لأن تطلقها، فهذا أهون الشرين، فعلى الأقل سيبقى ابنك وابنتك في كنف بيت وفي حضن أمهما.
رد (ر) قائلاً هذا حل كنت أفكر فيه، لكني لا أستطيع أن أبقى مع هذه المرأة يوماً واحداً رغم أنها كانت ولا تزال زوجة صالحة ولم تجعلني أشعر في يوم من الأيام بأنه ينقصني أي شيء وهذا الأمر يعذبني كثيراً.
مرت الأيام وانتقل (ر) إلى قسم آخر وأصبحت لقاءاتنا قليلة، لكننا نتواصل عبر الهاتف، وكنت أتحاشى أن أسأله عن زوجته حتى لا يقول لي بأنه طلقها فأثور في وجهه ويتحول لقاؤنا إلى عتاب، لكن الأمور تغيرت فجأة فعندما تلقينا اتصالاً هاتفياً من (ر) يقول فيه إن بيته احترق وأن زوجته وطفليه ماتوا في الحريق.
ذهبت برفقة عدد من المسؤولين في الجهاز وكان يرافقنا بعض الضباط من الشرطة وخبراء من المختبر الجنائي. عندما وصلنا إلى البيت كانت النيران أتت على الجزء الأكبر منه وكان البيت عبارة عن فيلا صغيرة تتكون من غرفتي نوم ومنافعهما.
كان واضحاً أن النيران عندما اشتعلت بدأت من غرفة النوم وهذا أمر يمكن لأي خبير في المختبر أن يعرفه، حيث يمكن تحديد ذلك من خلال تأثير قوة النيران على الجدران والأثاث والسقف... الخ. خلال التحقيق قال (ر) بأنه كان يشعر بالأرق فأخذ سيارته وبدأ يمشي على غير هدى وعندما عاد وجد سيارات الإطفاء والناس متجمعين عند باب الفيلا وكانت الساعة تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل.
بعد انتهاء التحقيقات الأولية اقتربت من (ر) وقلت له أريد أن أسألك سؤالاً واحداً وهذا السؤال وجوابه سيحددان أشياء كثيرة في القضية، ولكن قبل أن أنطق بالسؤال نظر إليّ باستغراب وقال هل تظن أن لي أي يد في موت زوجتي وولدي، وعلى أي حال تستطيع أن تسأل من كانوا هناك أي ساعة عدت إلى الفيلا، فأنا بالتأكيد لا يمكن أن أقوم بعمل كهذا.
استمرار التحقيق
خلال عمليات التحقيق آثرت أن أكون بعيداً عن (ر) وعن المحققين، وذلك كي لا تتدخل العواطف الشخصية في سير القضية، لكنني كنت أتابع ذلك من خلال التقارير اليومية التي تصل إلى مكتب، ومن خلال اتصالاتي المستمرة مع المختبر الجنائي.
ورغم أنني كنت متعاطفاً مع (ر) إلاّ أنني كنت أتمنى أن تظهر الحقيقة ونعرف جميعاً من فعل هذه الجريمة الشنعاء، ومع استمرار التحقيق كانت أصابع الاتهام تشير إلى أن (ر) هو الجاني، حيث تبين أن الذي ارتكب الجريمة دخل من الباب الرئيسي بمفتاح كان معه، أو أن الباب تُرك له مفتوحاً ليدخل، فجميع الأبواب كانت سليمة وكذلك الشبابيك.
ثم أن الجاني كان يعرف الفيلا جيداً، إضافة إلى ذلك لم توجد أية بصمات سوى بصمات (ر) وزوجته وولديه على الأبواب وأثاث الفيلا، في هذه الأثناء جاء تقرير المختبر الجنائي ليقول إن الحريق ناجم عن تماس كهربائي الخاص بالسخان الذي في حمام غرفة النوم، حيث تسبب الماس الكهربائي في شرارة كهربائية أدت إلى اشتعال المكان، خاصة غرفة النوم، حيث آثار المادة المساعدة على الاشتعال موجودة على بقايا اسفنج المخدات والفرشات.
وأضاف التقرير أن سبب الوفاة استنشاق الأسرة لأول أكسيد الكربون عالي السمية، فأصدر الضابط أمراً باستمرار البحث عن خيوط جديدة، خاصة المادة التي أدت إلى اشتعال المكان. في الوقت ذاته أصدرت الجهات المختصة أمراً باحتجاز (ر) على ذمة القضية، حتى يُقنع تلك الجهات عن سبب خروجه قبل وقوع الحادث، وإذا لم يكن هو الفاعل فكيف دخل الفاعل إلى الفيلا دون أن يكسر باباً أو شباكاً.
ترك الحادث آثاره النفسية على كل من عرف به، ذلك لأن الفاعل استغل وضع المرأة كونها صماء وقام بجريمة منكرة قتل خلالها طفلين بريئين إضافة إلى سيدة مسكينة كان همها في الحياة أن تُسعد أسرتها، وأن تعيش حياة عادية كما يعيش بقية خلق الله.
وأخيراً قررت الجهات المختصة تحويل (ر) وملف القضية إلى المحكمة، وعندما عرفت بالقرار ذهبت لزيارة (ر) قبل ترحيله للمحكمة، لكن لم أتمكن من ذلك فقد اتصل بي أحد المسؤولين طالباً مني التوجه إلى أحد المستشفيات حيث وقعت جريمة قتل.
عندما ذهبت إلى المستشفى مع فريق البحث الجنائي كنت أتصور بأنني سأجد رجلاً أو سيدة مطعونة بسكين أو مقتولة بطلق رصاص، لكن المفاجأة كانت أكبر من أن تتصورها فقد رأينا سيدة مضروبة بساطور في رأسها، حيث انقسم الرأس إلى قسمين وخرج الدماغ منه، كان المنظر لا يوصف، وقفنا جميعاً مشدوهين أمامه.
وأخبرنا الطبيب بأن السيدة وصلت ميتة، وعندما سألنا عمن أحضرها أشاروا إلى شاب قالوا إنه أخوها.عندما توجهنا له بالسؤال بعد أن عرفناه على أنفسنا قال إنه سمع هو ووالده ووالدته مشادة كلامية بين أخته (القتيلة) والسائق وهو من الجنسية الآسيوية وعندما دخلوا إلى الغرفة، حيث كان النقاش بادرت القتيلة بصفع السائق على وجهه فبادرها هو بساطور كان يخفيه في ملابسه، فشج رأسها وسط ذهول الجميع وهرب، وإن أحداً من أفراد الأسرة لا يعرف سبب الخلاف بين القتيلة والسائق.
كانت الشرطة قد عممت صورة السائق على جميع المطارات والمرافق والموانئ وأقامت حواجز على الطرق الخارجية لاعتقاله وتقديمه إلى العدالة.
استمر البحث طويلاً عن السائق وأخيراً عثرت عليه احدى الدوريات في سيارة أجرة في طريقها إلى دولة مجاورة.
الاعتراف
خلال التحقيق مع السائق قال إنه هو الذي قتل السيدة بالساطور لأنها نقضت اتفاقها معه، وأضاف إن هذه السيدة الزوجة الثانية ل(ر) وهو يعمل سائقاً عند أسرتها منذ نحو (12) عاماً، وفي أحد الأيام اتصلت به وطلبت منه أن يحضر إلى فيلتها على ألا يدخل الفيلا إذا كانت سيارة (ر) واقفة أمام الفيلا، وفعلاً فعل الرجل ذلك، حيث كانت السيدة في الفيلا وحدها وعندما حضر أخبرته بأنها ستعطيه (20) ألف دولار إن هو خلصها من زوجة (ر) الأولى وولديها.
وقال السائق إنها أعطته (5) آلاف دولار مقدماً على أن تعطيه بقية المبلغ بعد تنفيذ الجريمة التي خططت هي لها وقام هو بتنفيذها، حيث أعطته مفتاح الفيلا التي تسكن فيها زوجة (ر) الأولى.
وأضاف لقد ذهبت وكنت أحمل في يدي جالوناً من البنزين وكنت أضع قفازات على يدي حتى لا أترك بصمات، وفي الليلة الموعودة كانت السيدة على اتصال مع زوجها (ر) حيث تأكدت بأنه خارج الفيلا فطلبت منه الحضور إليها لحل بعض المشاكل العالقة بينهما، حيث تسلل إلى الفيلا وسكب البنزين على السرير الذي كانت تنام عليه الزوجة الأولى وطفليها وإيصال قطعة قماش مبللة بالبنزين بالسلك الكهربائي الخاص بالسخان الذي في الحمام بعد أن كشف المادة العازلة للسلك ثم قام بإشعال قطعة القماش بالكبريت، حيث انفجر السلك وخرجت منه شعلة من النار، وكان الهدف من ذلك هو تضليل الشرطة على اعتبار أن الحريق ناجم عن تماس كهربائي.
وقال السائق إنه نفذ كل ما طلبته منه الزوجة الثانية ل(ر) مقابل ال(20) ألف دولار، وأنه عندما طلب منها أن تعطيه بقية المبلغ وهو (15) ألف دولار رفضت وقالت له عليك أن تترك البلاد فوراً وإلاّ أبلغت عنك الشرطة، وعندما قال لها بأنه يكتفي بال(5) آلاف دولار ولا يريد أن يطالبها ببقية المبلغ فأصرت على ضرورة عودته إلى بلاده، حيث إن وجوده يشكل خطراً عليها وإنه قد يبتزها في يوم من الأيام.
وأضاف بأنه بدأ يشعر بأنها استغلته، حيث قتل أسرة بريئة وأنه لا يعرف لماذا قتلهم ومع ذلك لم يأخذ بقية أتعاب جريمته ثم أنها بدأت تهدده بإبلاغ الشرطة عنه إن لم يعد إلى بلاده، والأكثر من ذلك أنها بدأت تتطاول عليه وتضربه لذا كان لابد من قتلها والانتقام منها.
كل هذه الأمور كانت تجري و(ر) لا يعرف عن الموضوع شيئاً وأخيراً تم إخبار (ر) بما حدث، فقال إنه قبل أسبوع من وقوع الحريق أخبر زوجته الثانية بأنه سيطلق زوجته الأولى، حيث إن هذا كان شرطها للزواج منه، لكن زوجته الثانية جُن جنونها عندما عرفت بأن (ر) كتب الفيلا لزوجته الأولى ووضع مبلغ (100) ألف دولار في حسابها في البنك.
وعندما طلبت منه الزوجة الثانية أن يُلغي عقد الفيلا ويسحب مبلغ ال(100) ألف دولار من حساب زوجته الأولى ويضعه في حسابها رفض ذلك ما تسبب في خلق مشاكل بينهما، لكنه لم يكن يتصور بأن زوجته الثانية ستتصرف مع السائق بهذا الشكل الإجرامي وتقتل زوجته وولديه. تم دفن الزوجة الثانية بجانب الزوجة الأولى وطفليها أما السائق فقد حكمت عليه المحكمة بالإعدام شنقاً مع التنفيذ. أما (ر) فقد استقال من الجهاز وأغلق هاتفه النقال ولا أحد يعرف أين ذهب.
إعداد ـ أحمد سلطان
