لا تجتمع بنات حواء -على اختلاف أعمارهن- دون الخوض في حديث هو أحد ثلاثة يربطها تسلسل زمني ويغلب عليها طابع أنثوي. الزواج .. الحمل .. الإنجاب. فمتى ما تسهلت أمور إحداهن وتزوجت .. يلاحقها البحث عن الخبر الآخر.. عبر أسئلة صريحة مرة. ومفخخة مرات أخرى.. اعتماداً على قوة العلاقة.. أو ما يُسمى (البرستيج) الاجتماعي.. ومتى ما اقترب موعد الولادة أطلقت رصاصات التخمينات حول جنس الضيف الجديد.. فالمولودة البنت لا تستدعي الكثير من الفرح .. بينما تقام الولائم على شرف الولد .. الذي ينأى بأمه عن ألم (الضرة) بحثاً عن ولي العهد.
وبين الولد والبنت يحط الانتظار رحاله. بينما يبقى آدم بعيداً عن تداول تلك الأحداث في مجالس الرجال احتراماً للخصوصية..
بانتظار الخبر السعيد تتداول النساء عادةً ميزات كل من الجنسين في رحلة تشبه جولة تسوق إلى الجمعية التعاونية.. بين الأقل تكاليف والأحب إلى القلب.. «أنا بصراحه أكره البنات.. ما أتحمل ريلي إييب لها الهدايا ويدلعها وينساني أنا»..
«يا بنت الحلال إنت الأصل .. وغلاها من غلاج.. بعدين البنت تساعد أمها وتعاونها».. «لا يا حبيتي بالعكس .. هي تكبّر أمها باجر بتكبر وبتعرس وبتكبرني وياها ».. بينما تلبس التهمة الآباء.. فهم الأكثر إصغاءً لطلباتهن، كما أنهن يحظين بالاهتمام والتدليل على الدوام... حيث يبقى نصيب الولد من الحزم والمسؤولية أكبر .. وذلك حفاظاً على رجولته المستقبلية.
تربية
في الأحاديث الكريمة إشارات واضحة لتكريم الأنثى، حيث قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «من كان له بنتان او أختان فعلّمهما فأحسن تعليمهما وأدّبهما فأحسن تأديبهما كانتا له ستراً من النار». كما دعت السنة النبوية الشريفة إلى العدل في التربية كما ورد في الحديث الشريف: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». وفي الموروث الشعبي يُقال إن البنت غريبة. فمهما طالت رحلة مكوثها في بيت أهلها. فلابد من ارتحالها إلى عش الزوجية. والحرص على حسن تربية البنت نابع من كونها انعكاساً لوالديها. وامتداداً لسيرتهما.. وأرضاً تُستثمر لزراعة كل ما هو عطر. فيُبث فيها الإحساس بالمسؤولية منذ الصغر. وكأنها فُطرت على القيام بشؤون الأسرة. وبين تربية الإخوة ودروس التدبير المنزلي.. تسترق حواء لحظات الدراسة. بينما يبقى آدم الأوفر حظاً.
أما الولد فهو الأصل والوريث ومن سيحمل اسم العائلة ويخلد ذكراها.. وتُجند جميع إمكانيات العائلة لتعليمه وتوفير مستقبل الحياة الكريمة له. في ثقافة البداوة يعتبر الذكر سنداً فكما يُقال في المثل الشعبي «جاني ولد .. انشد ظهري وانسند» .. أما البنات فـ «همهم للممات».. كما تقول الأمهات إن «البنت عديلة أمها» .. فهي ضرتها وشريكتها في أدق تفاصيل الأنوثة..
أما في قصص التراث. فالمرأة جندي مجهول في تحريك الأحداث... فهي المسكونة بهموم الأسرة.. والمسؤولة عن مطبخ القرارات..
علم تضع العلوم أحياناً حداً لتأويلات البشر. قاطعة الطريق على المزيد من الاتهامات اللامنطقية للمرأة باعتبارها متهمة بإنجاب البنات.. ولمعرفة المسؤول عن تحديد جنس المولود لابد من عودة إلى علم الوراثة. واعتماداً على التفسير العلمي يعتمد تحديد جنس المولود على صبغاته الوراثية، بحيث تحتوي كل خلية بشرية على 23 زوجا من الكروموسومات - الصفات الوراثية- يشترك الرجال والنساء في 22 زوجا ويختلفان في زوج واحد، فنجده في الرجل XY أما في المرأة فهو XX .
وفي حالة كانت الخلية الناتجة عن التقاء X و X كانت المولودة أنثى أما إذا التقى X و Y كان المولود ذكراً .. ببساطة علمية .. الرجل هو المسؤول عن تحديد جنس المولود.
جمالية
في وجه ذلك التحامل غير المنصف على حواء. تنتصر اللغة العربية لابنتها. فتضع بلاغتها الجميلة في كفة الأنوثة. بينما يبقى الذكر أقل حظاً.. وتلازماً بمعانٍ أكثر قسوة. فالحياة مفردة مؤنثة والموت مذكر. كما أن الحقيقة كذلك بينما الباطل مذكر. وكذلك المودة والرحمة.. في حين أن الكره والبغض مذكران. أما العطلة وما تمنحه من راحة هي معانٍ مؤنثة. بينما العمل والضغط مفردات مذكرة .. والقائمة تطول منحازة إلى حواء.
شباصات
بينما يبقى الولد في نظر بعض الأمهات الأقل هماً.. على الأقل من الناحية الاقتصادية. فهو لا يستهلك سوى «كمن» كندوره ونعال. بينما تنفرد البنت الحسناء بلائحة طويلة من الفساتين والأحذية .. ولكل فستان شباصة خاصة .. وشنطة ذات ألوان تتلاءم مع الفستان.. وكل ذلك يتم بمناسبة ودون مناسبة.. أما رحلة التسوق. فتستغرق ساعات من التجول.. وجلسات طويلة في أروقة الصالونات .. احتفاءً بالحناء. بينما يكتفي الوالد بمشوار إلى الخياط ومحل الأحذية المجاور وينتهي الأمر على كرسي بابو الحلاق ..
كما تتسع دائرة اهتمامات حواء بمرور الأيام. حيث تتراكم متطلبات الحفاظ على الأنوثة بين العبايا ومستحضرات التجميل والعطور.. وكل ذلك يحتل جزءاً كبيراً من ميزانية الأسرة. سيما في حال وجود الحسناء وأخواتها. فعدد الفساتين يتضاعف .. والشباصات كذلك.. والعباءات أيضاً..
أما إذا ما عرّجنا على الهوايات. فآدم يلعب في الفريج .. وبين السيكل وملعب الكرة. هناك متّسع للألعاب الإلكترونية.. والسيارات اللاسلكية. أما الحسناء حواء .. «اممممم» على سبيل المثال لا الحصر.. تقسم وقت الفراغ بين دفاتر التلوين .. والباربي .. وثيابها .. وشباصاتها -هي الآخرى التي تتفنن في اختيارها- .. وبيتها المركب.. وتعيش حياة مصغرة بين باربي وعائلتها وصديقاتها .. مسكينة حواء مثقلة بالهموم الأسرية باكراً.. في الصغر هي طفلة مسكونة بهموم المرأة.. تنتظر أن تكبر. وعندما تكبر تظل آنسة عشرينية ترتوي بحنين الطفولة.
أمل الفلاسي
