أكد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أن علاقات الصداقة القائمة بين فرنسا والإمارات تستمد قوتها من التمسك المشترك بقيم الحوار والتسامح والسلام وأن دولة الإمارات قطب للاعتدال والاستقرار في منطقة هي أشد ما تكون بحاجة إليهما، معرباً عن سعادته بزيارة الدولة للمرة الثانية منذ يناير العام الماضي.

وقال في حديث لوكالة أنباء الإمارات إن دولة الإمارات اختارت الخيار النير المتمثل بالرهان على المستقبل والشباب من خلال التركيز على التعليم، مؤكداً وقوف فرنسا إلى جانب الإمارات عندما قررت أن تجعل من الإمارات العاصمة الثقافية في المنطقة.

وحول أهداف زيارته وما هي الموضوعات التي سيبحثها مع صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، قال ساركوزي بادئ ذي بدء أود أن أقول لكم اني وبكثير من السعادة أعود اليوم إليكم في الإمارات العربية المتحدة ولاسيما في أبوظبي حيث اني أحتفظ بذكرى طيبة جداً عن زيارتي الأولى في يناير 2008 ويسرني لقاء صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان من جديد والذي أكن له فائق التقدير، وكما سألتقي من جديد بكل سرور الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي أحتفظ معه أيضا بعلاقات الثقة والصداقة.

تعاون عسكري

وأضاف لقد كانت زيارتي الأخيرة في يناير 2008 والتي مضى عليها أكثر من عام بقليل قد أتاحت فتح صفحة جديدة من الصداقة بين بلدينا من خلال الإعلان عن قرارين كبيرين: إطلاق تعاون فرنسي إماراتي في المجال النووي السلمي وإنشاء فرنسا لقاعدة عسكرية دائمة لها في أبوظبي.

وتندرج زيارتي اليوم بشكل كامل في إطار هذه الديناميكية الجديدة، حيث سأفتتح القاعدة الجديدة المشتركة للجيش الفرنسي في أبوظبي وسيشكل هذا الحدث لحظة مهمة ان هذه القاعدة التي أنشئت بناءً على طلب من السلطات الإماراتية تشكل بحق مرحلة تاريخية في علاقات الصداقة بين البلدين.. إن فرنسا ومن خلال وجودها العسكري الدائم تتعهد بكل تصميم بالوقوف إلى جانب أصدقائها الإماراتيين لتحقيق أمنهم، فكما يقال الصديق وقت الضيق.

كونوا على اطمئنان بأن فرنسا ستقف إلى جانبكم إن حدث وتعرض أمنكم للتهديد. إن فرنسا ومن خلال هذه القاعدة الأولى لها في الشرق الأوسط تظهر استعدادها لتحمل كل مسؤولياتها لضمان استقرار هذه المنطقة الضرورية للتوازن العالمي.

تدشين متحف اللوفر

وقال: ستترافق زيارتي مع حدث آخر أحرص عليه من كل قلبي حيث سيتم فيها تدشين أعمال بناء متحف اللوفر أبوظبي على جزيرة السعديات، وأريد هنا أن أشيد بالخيار المستقبلي لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان المتمثل في الرهان على المستقبل وعلى الشباب عبر الاستثمار في التعليم والأبحاث والثقاقة..

حيث تشكل المؤسسات كاللوفر أبوظبي والسوربون أبوظبي آفاقاً جديدة لصداقتنا وهي مثال ملموس لحوار الثقافات هذا الحوار الضروري لعالمنا والذي تلتزم به كل من فرنسا والإمارات العربية المتحدة بشكل كامل ولا يسعني هنا إلا أن أعبر عن امتناني لأصدقائنا الإماراتيين لاقتراحهم علينا هذه الشراكات الجريئة والإبداعية الرائعة.

وسنتطرق بطبيعة الحال إلى موضوعات أخرى كثيرة مع صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان. وسنتناول بوجه خاص كل الأوجه الأخرى لتعاوننا الثنائي وكما سنتناقش أيضا بشأن عدد من الموضوعات الإقليمية والدولية منها مثلاً الأزمة الاقتصادية والوضع في الشرق الأوسط وطبعاً إيران. إن هذه الزيارة كما تعرفون مهمة جداً بالنسبة لي لأنها ستمثل نقطة مهمة في الصداقة بين بلدينا.

ورداً على سؤال حول تصريحه خلال زيارة الإمارات في 15 يناير 2008 بأن الإمارات العربية المتحدة بلد أصبح خلال ثلاثين عاماً الشريك الأول لفرنسا في الشرق الأوسط في المجال الاقتصادي والعسكري والآن الثقافي والأسباب التي أدت بالبلدين إلى بناء هذه العلاقة النموذجية، قال الرئيس الفرنسي إنه الواقع..

أنتم اليوم أول شريك لنا في الخليج والشرق الأوسط. أول شريك اقتصادي بطبيعة الحال فالأرقام تتحدث عن نفسها: زاد حجم الصادرات الفرنسية إلى الإمارات ثلاث مرات خلال السنوات العشر الماضية ويستقبل بلدكم لوحده اليوم نصف الاستثمارات الفرنسية في الخليج. فالسياسات الطموحة التي قادتها السلطات الإماراتية خلال السنوات الماضية سمحت بإنطلاقة اقتصادية ديناميكية ومنفتحة ومتنوعة بشكل كبير.

ولم يخطئ حدس الشركات الفرنسية وهناك عدد متزايد منها يريد المشاركة في التنمية الاقتصادية لبلدكم. بيد أن غنى العلاقات بين البلدين يتجاوز المسائل الاقتصادية. فالعلاقات غنية سياسياً: إننا مع الإمارات العربية المتحدة ندافع عن رؤية مشتركة بشأن العولمة ونخوض معركة مشتركة لصالح حوار الثقافات ونتشاطر الالتزام نفسه لصالح السلام ولاسيما لشعوب المنطقة، وكما أن هذه العلاقات غنية استراتيجياً من خلال اتفاق الدفاع الذي يربط البلدين منذ عام 1995 واليوم من خلال إنشاء أول قاعدة فرنسية دائمة في المنطقة.. وأخيراً العلاقات بين البلدين غنية ثقافياً من خلال مبادرات ابتكارية وواعدة كاللوفر أبوظبي والسوربون أبوظبي.

وتستمد الصداقة القائمة بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة قوتها من التمسك المشترك للبلدين بقيم مشتركة: الحوار والتسامح والسلام، فالإمارات العربية المتحدة قطب للاعتدال والاستقرار في منطقة هي أشد ما تكون بحاجة أحياناً إليهما.. ولأنكم اخترتم طريق الانفتاح والحداثة فمكاننا هو أن نقف إلى جانبكم لندافع معاً عن القيم التي نؤمن بها.

وتكمن قوة صداقتنا أيضاً في كونها عرفت كيف تتجدد كي تتأقلم مع الوقائع والتحديات الجديدة. فعندما اتخذت الإمارات العربية المتحدة الخيار النير المتمثل بالرهان على المستقبل والشباب من خلال التركيز على التعليم كانت فرنسا مستعدة للاستجابة لهذا الخيار. وعندما قررت الإمارات العربية المتحدة أن تجعل من نفسها العاصمة الثقافية في المنطقة وقفت فرنسا إلى جانبها. وعندما قررتم تطوير الطاقة النووية السلمية لتلبية حاجات شعبكم والمحافطة على مواردكم كنا إلى جانبكم وكذلك عندما دعوتمونا إلى تعزيز تحالفنا الاستراتيجي عبر إنشاء قاعدة عسكرية دائمة في أبوظبي لبينا الدعوة دون تردد.

الملف النووي الإيراني

وفي اجابته عن سؤال بشأن الملف النووي الإيراني وما ذكره بأنه من المريب جداً أن نرى أن إيران لا تستجيب لطلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمجتمع الدولي.. وفيما إذا كان يعتقد بأنه في وسع الأميركيين أن ينجحوا في محاولتهم للحوار مع إيران في الوقت الذي لم تنجح في ذلك الدول الست رغم محاولاتها المتكررة طيلة ثلاث سنوات أشار ساركوزي إلى إن الأزمة الإيرانية، وهنا أقولها بوضوح، هي إحدى أكثر التهديدات خطورة على الأمن العالمي لقد كان موقفي واضحاً دائماً ولم يتغير أبداً: أعتبر أن إمتلاك إيران للسلاح النووي هو أمر غير مقبول..

منذ عام 2003 اتبعت فرنسا مع شركائها الأوروبيين خيار المقاربة المتوازنة القائمة على الحزم والحوار وهذا يعني أننا قدمنا للإيرانيين عروض تعاون طموحة جداً بما في ذلك التعاون في المجال النووي السلمي بشرط أن يحترموا التزاماتهم الدولية وأن يتنازلوا عن أنشطتهم للانتشار غير القانوني، وبما أن السلطات الإيرانية لم تستجب لهذه الاقتراحات قمنا بتشديد سياسة العقوبات والعزل.

إن خيار الإدارة الأميركية الجديدة في الانضمام إلينا على طريق حوار حازم هو خبر سار لأن ذلك يزيد من حظوظنا في إقناع السلطات الإيرانية بأن من مصلحتها ومن مصلحة شعبها أن تستجيب لطلبات المجتمع الدولي.. ولأني مقتنع بأن هذه المقاربة تظل الوسيلة الأفضل وربما الوحيدة لحل هذه المسألة سلمياً.. هل سيكون ذلك كافياً.. لست أدري ولكني أتمنى ذلك طبعاً، ولكن على السلطات الإيرانية أن تختار الآن بين العودة إلى كنف المجتمع الدولي أو العزلة المتزايدة.

الدولة الفلسطينية

وقال إن من يعرفني يعلم بأني صديق صادق لإسرائيل وبأني لن أتهاون أبداً، أجل أبداً بحق اسرائيل في العيش بأمن وهدوء ولا يمكن لأحد أن يشك في ذلك. غير أننا مدينون لأصدقائنا بالحقيقة والحقيقة هي أنه ليس هناك أحد اليوم يمكنه أن يفكر بشكل جدي بأنه يمكن النجاح في بناء السلام في الشرق الأوسط دون إعطاء الفلسطينيين الدولة التي يتطلعون إليها منذ وقت طويل جداً والتي هي من حقهم.. والحقيقة أيضاً أن أفضل ضمانة لأمن إسرائيل إنما تكمن في إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وحديثة وديمقراطية وقابلة للحياة.. والحقيقة كذلك أنه يجب وقف الاستيطان الذي يبعد إمكانية السلام كل يوم بشكل أكبر.

وأنا لا أكتفي بقول ذلك لكم أنتم. فلقد ذكرته أمام الكنيست أثناء زيارتي لإسرائيل في يونيو .2008. ولقد ذكرته في كل لقاء لي مع المسؤولين الإسرائيليين وسأظل أذكره كلما كان ذلك ضرورياً. هل أنا متشائم.. إن التشاؤم ليس من طبعي. وكما أن حالة شعور هذا الطرف أو ذاك ليست مهمة جداً إذا ما قارناها بحجم الرهان. المهم هو أن نجد أخيراً حلاً لهذا الصراع الذي طال أمده.. المهم هو أن نضع أخيراً حداً لكل هذه الآلام ولكل هذا الهدر..

في هذه المعركة ستقف أوروبا والولايات المتحدة الأميركية جنباً إلى جنب لمساعدة الإسرائيليين والفلسطينيين للوصول إلى طريق المصالحة.. ولكن لن يكون هناك سلام دون إرادة حقيقية وصادقة لدى الطرفين.. فالسلام هو خيار قبل كل شيء. ولا يمكن لأحد أن يختار بدلاً عنهما.

الأزمة الاقتصادية

ورداً على سؤال بأن إصلاح النظام المالي يراوح مكانه وما هي المهلة التي ترونها لإنجاز الإصلاح من أجل رأسمالية مجددة قال: لا أوافقكم أبداً على هذا الاستنتاج بالعكس سمحت مجموعة العشرين التي اجتمعت في لندن في أبريل الماضي بإحراز جوانب تقدم تاريخية بالمطلق ولاسيما في مجال القواعد الناظمة المالية. وكي أكون صريحاً تماماً لم يكن أحد ليعتقد بأننا سننجح بهذا القدر وبهذه السرعة عندما قررنا إصلاح النظام المالي الدولي.

هلا تصورتم.. نحن الآن في طور القيام بشكل ملموس بتنفيذ المبدأ الذي يقضي بألا تفلت أية مؤسسة مالية من أنظمة الرقابة وينسحب هذا الأمر أيضاً على وكالات التقييم وصناديق التحوط التي لم تكن تخضع لأي نوع من الرقابة ولكننا ذهبنا إلى أبعد من ذلك: لقد نشرنا قائمة الملاذات الضريبية التي ينبغي لها الآن أن تمتثل لمتطلبات الشفافية الخاصة بالمجتمع المالي الدولي، وكما أننا نجحنا في اعتماد المبدأ القاضي بمعاقبة من يمتنعون عن الامتثال. واعتمدنا أيضاً قواعد بشأن الأجور في المصارف كي لا تقوم بالتحفيز على المجازفة المفرطة، وكما اتفقنا على تعديل القواعد المحاسبية بشكل كبير حيث انها لم تلعب دورها في مواجهة الأزمة.

أعرف اننا لم نصل بعد إلى نهاية الطريق.. ينبغي لنا الآن أن ننفذ بشكل ملموس هذه الإصلاحات وهذا ما نقوم به وكما ينبغي أيضاً أن نشرع في تجديد الحوكمة الاقتصادية العالمية.. لذلك ستجتمع مجموعة العشرين من جديد في سبتمبر المقبل وإن ما أنجزناه إلى الآن هو رائع بحد ذاته إن عملية تجديد الرأسمالية اليوم واقع يسير قدماً في طريقه.

معركة ضد القرصنة

وحول نشاط فرنسا بوجه خاص ضد أعمال القرصنة في خليج عدن أشار إلى أن فرنسا كانت أول بلد ينخرط بعزم في هذه المعركة: في سبتمبر 2007 كنت قد أعلنت في الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن البحرية الفرنسية سترافق السفن التابعة لبرنامج الأغذية العالمي.. ولقد أدى ذلك إلى ولادة عملية ألسيون.. كما أن فرنسا هي التي اقترحت أيضاً أثناء رئاستها للاتحاد الأوروبي في ديسمبر/ 2008 إنشاء عملية أتالانت وهي أول عملية بحرية أوروبية من أجل مكافحة القرصنة في عرض المياه الصومالية وخليج عدن.

ولا أحد يشكك اليوم في فعالية هذه العمليات: حيث لم تتعرض أي سفينة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي للهجوم منذ إطلاق عملية ألسيون.. وكما لم يتم الاعتداء على أية سفينة تمت حمايتها في إطار عملية أتالانت.

ولقد قمنا بعدة عمليات لتحرير فرنسيين كانوا قد وقعوا رهائن بين أيدي القراصنة ولقد أودت إحدى تلك العمليات ولسوء الحظ بحياة أحد رعايانا.. ولقد أثرت تلك الحادثة الأليمة فينا بشكل كبير ولكن على القراصنة أن يعلموا أننا لن نخضع أبداً لابتزازهم وبأنهم سيجدوننا دائماً أمامهم بالمرصاد ولقد اعتقلت القوات الفرنسية إلى الآن أكثر من 70 قرصاناً وسيحاكم بعضهم في فرنسا.

ولكن كما أشرتم لن تكفي هذه العمليات وحدها لوضع حد لأعمال القرصنة في المنطقة لأن القرصنة قبل كل شيء نتيجة لفشل الدولة الصومالية. والصومال اليوم بلد ممزق تجد فيه الحكومة التي ندعمها صعوبة في فرض سلطتها.

لهذا ينبغي لنا أن نساعد الصوماليين في إعادة بناء دولتهم. ولهذا أيضاً أصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى دعم عمل الرئيس الجديد الشيخ شريف وديناميكية المصالحة التي أطلقها من خلال تشكيله لحكومة وحدة وطنية لأول مرة منذ عام 1991. من واجب المجتمع الدولي دعم السلطات الشرعية في البلاد ومساعدتها في تعزيز المؤسسات الصومالية ولاسيما القوات الأمنية التابعة لها. ومن واجبنا أيضاً أن نعزز أميسوم قوة الاتحاد الافريقي المنتشرة في الصومال وهذا ما نقوم به.

ولقد أتاح مؤتمر المانحين الذي عقد في بروكسل في 23 أبريل الماضي رصد 213 مليون دولار مخصصة لقوات الأمن والشرطة الصومالية ولأميسوم. ويضاف إلى ذلك الدعم المباشر الذي تقدمه القوات الفرنسية الموجودة في جيبوتي لتأهيل قوات الأمن الصومالية وجنود أميسوم.. ولكن ينبغي لنا ايضاً أن نقف إلى جانب الشعب الصومالي في مواجهة حالة الطوارئ الإنسانية التي تصيب نصف السكان تقريباً.

في 2008 زادت فرنسا بالتالي مساعدتها الإنسانية إلى الصومال وسنقوم بتعزيز جهودنا بشكل أكبر في 2009. وكما ترون فإننا معبأون بشكل كامل لمكافحة القرصنة ومساعدة الصومال على النهوض ولكن من أجل تحقيق ذلك سنحتاج إلى التزام الجميع.

(وام)