قال الله تعالى: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم)
الشكر هو الثناء على المحسن بما أولاك من المعروف، والشكران خلاف الكفران والشكر في عبارات العلماء معناه الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلانية. وقيل الشكر هو الاعتراف في تقصير الشكر للمنعم وقيل حقيقة الشكر العجز عن الشكر.
وقيل الشكر حقيقته الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته والكفران استعمالها في المعصية وقليل من يعقل ذلك لأن الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية وقيل الشكر التواضع والمحافظة على الحسنات ومخالفة الشهوات وبذل الطاعات ومراقبة جبار الأرض والسماوات وقيل الشكر لمن فوقك بالطاعة ولنظيرك بالمكافأة ولمن دونك بالإحسان والإفضال وقيل الشكر معرفة الإحسان والتحدث به والله تبارك وتعالى يرضى الشكر ويحبه لعباده المؤمنين. والشكر على ثلاث درجات الأولى: الشكر على المحاب وهو الاعتراف بنعمه سبحانه والثناء عليه بها والإحسان إلى خلقه منها وهذا بلا شك يوجب حفظها على الشاكر والمزيد منها.
والثانية: الشكر على المكاره وهو أشد وأصعب من الشكر على المحاب. ولهذا كان فوقه في الدرجة وهذا الشاكر أول من يدعى إلى الجنة لأنه قابل المكاره ? التي يقابلها أكثر الناس بالجزع والسخط وأوساطهم بالصبر وخاصتهم بالرضا ? فقابلها هو بأعلى من ذلك كله. وهو الشكر فكان أسبقهم دخولاً إلى الجنة وأول من يدعى منهم إليها. والثالثة: أن لا يشهد العبد إلا المنعم وهذه الدرجة يستغرق صاحبها بشهود المنعم عن النعمة فلا يتسع شهوده للمنعم ولغيره.
قال الله: «واشكروا لي ولا تكفرون» إن فعل الشكر وترك الكفر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله تعالى عما يكرهه إذ معنى الشكر استعمال نعمه تعالى في محابه ومعنى الكفر نقيض ذلك إما بترك الاستعمال أو باستعمالها في مكارهه. ولتمييز ما يحبه الله تعالى مما يكرهه مدركان: أحدهما، السمع، ومستنده الآيات والأخبار والثاني: بصيرة القلب وهو النظر بعين الاعتبار وهذا الأخير عسير وهو لأجل ذلك عزيز، فلذلك أرسل الله تعالى الرسل وسهل بهم الطريق على الخلق ومعرفة ذلك تنبني على معرفة جميع أحكام الشرع في أفعال العباد، فمن لا يطلع على أحكام الشرع في جميع أفعاله لم يمكنه القيام بحق الشكر أصلاً.
وأما الثاني وهو النظر بعين الاعتبار فهو إدراك حكمة الله تعالى في كل موجود خلقه إذ ما خلق شيئاً في العالم إلا وفيه حكمة وتحت الحكمة مقصود وذلك هو المحبوب.. وكل من استعمل شيئاً في جهة غير الجهة التي خلق لها ولا على الوجه الذي أريد به فقد كفر فيه نعمة الله تعالى.
وكل من استعمل شيئاً في غير طاعة الله، فقد كفر نعمة الله في جميع الأسباب التي لابد منها لإقدامه على تلك المعصية. ومثال على ذلك فإن من عامل معاملة الربا على المال فقد كفر النعمة لأن المال خلق لغيره لا لنفسه إذ لا غرض في عينه فإذا أتجر في عينه فقد اتخذه مقصوداً على خلاف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم. فمن فهم حكمة الله تعالى في جميع أنواع الموجودات قدر على القيام بوظيفة الشكر.
وقد قال الله تعالى: «وقليل من عبادي الشكور» لا يقصر بالخلق عن شكر النعمة إلا الجهل والغفلة فإنهم يمنعون بالجهل والغفلة عن معرفة النعم ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها، ثم إنهم إن عرفوا نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول بلسانه فقط: الحمد لله الشكر لله ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن يستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت بها وهي طاعة الله عزوجل.
رجاء علي