الذي يريد أن يقرأ شيئا من أخبار وأحداث التاريخ سواء أكان الماضي منه أو الحديث يجب عليه التمعن والإدراك في كل الموقف والجوانب وسائر الأبواب ولا يكون الهدف الأسمى والغاية العظمى من قراءة التاريخ هو مجرد للتسلية وإهدار الوقت وضياعه سدى أو أن يكون غرضه من قراءة التاريخ عرض الحوادث السارة منها أو الضارة عرضا سطحياً مهمشاً من دون اعتبار أو اتعاظ لمجريات التاريخ؛ بل لابد لكل من أراد أن يدرس سيرة التاريخ وقراءة أحداثه؛ أن يستعين بضوابط وقوانين علمية سليمة تعصمه من الوقوع في الأخطاء الكثيرة أو المتاهات التي قد لا يحمد على عقباها ولا يعرف منتهاها. فالقارئ للتاريخ يجب عليه أن يفسر هذه الحوادث تفسيرا علميا بعيدا عن العواطف والتشنجات العصبية.
إن الشيء المهم والضروري للإنسان الجاد لقراءة التاريخ سواء أكان ذلك تاريخا إسلاميا أو حضاريا أو سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو فكريا... هو عملية الاجتهاد الفعلي في تحصيل الأفكار والاستفادة الحقيقية منها ولا يتحقق ذلك ويتم الاستفادة منه إلا من خلال المطالعة الحرة لكتاب مختلفين ذات اتجاهات متعددة فكريا سواء أكان ذلك إسلاميا أو علمانيا في مختلف فنون العلم المتنوعة والهدف من كل ذلك هو الاهتداء إلى الحقيقة التي تتلاءم مع الفطرة البشرية السليمة فالحقيقة المطلقة لها ضوابط، وطرق تنسجم مع الحياة البشرية.
وبعد فهم ما يقرأه القارئ فهما واعيا يفعل ذلك ويجتهد اجتهادا بحيث يعمل بفكره على صياغة آرائه وكافة أفكاره وتوجهاته العلمية فيمعن النظر والتفكر لهذه القراءة لعلها تعينه على الاهتداء إلى (الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيات، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان. ولكي يفهم القارئ الحادثة ويفسرها، ويربطها بما قبلها وما تلاها، ينبغي أن يكون لديه الاستعداد لإدراك مقومات النفس البشرية جميعها: روحية وفكرية وحيوية ومقومات الحياة البشرية جميعها؛ معنوية ومادية.
وان يفتح روحه وفكره وحسه للحادثة ويستجيب لوقوعها في مداركه ولا يرفض شيئا من استجاباته لها إلا بعد تحرج وتمحيص ونقد علمي بناء؛ فأما إذا كان يتلقاها بادي ذي بدء وهو معطل الروح أو الفكر أو الحس عن عمد أو غير عمد ـ فإن هذا التعطيل المتعمد أو غير المتعمد، يحرمه استجابة معينة للحادثة التاريخية أي أنه يحرمه عنصرا من عناصر إدراكها وفهمها على الوجه الكامل ومن ثم يجعل تفسيره لها مخطئا أو ناقصا) .
أو معطلا فبهذه الطريقة والمنهج المتبع لا يتم تدارك الأخطاء والاتعاظ من الماضي، ومن ثم تجنب الوقوع في المشاكل المختلفة مستقبلا أو بعض القضايا سواء تمثل ذلك في الجوانب الاجتماعية أو السياسية أو العلمية بما فيها الدينية.... والإنسان الذي ينشد الحقيقة يجب عليه في كل حال من الأحوال أن ينظر في العواقب السلبية ويحاول جاهدا أن يرصد الظواهر المستقبلية فلا يفتح بابا يعييه سده ولا أن يرمي سهما يعجزه رده بعد ذلك.
فلابد إذا من وعي حقيقي لإحداث التاريخ بمختلف تقسيماته قديمه وحديثة ومعاصره وتدبر طرق سرده علميا ومنطقيا بحيث لا يخضع ويستسلم للانفعالات الوقتية أو العواطف الجياشة التي سرعان ما تنهار أمام الحقائق العلمية والأدلة الواقعية نقلا وعقلا؛ فالوعي التاريخي في النهاية يكون مساعدا لنا في عملية التثبت (بنسبية لأفكارنا ويحمينا من التعصب لها. لأنها في نهاية المطاف نتيجة لظروفنا الحالية وبالتالي فهي متغيرة وغير ثابتة. نسبية لا مطلقة. مناسبة ربما لنا الآن لكنها ليست مناسبة لغيرنا بالضرورة ولا لنا في وقت آخر.
إن المجتمع الإسلامي بأسره مطالب مطالبة جدية أن يسلك طريقا اخر للتعامل مع مجريات الحياة المعاصرة والواقع المر الذي نعيشه وطريقة التعامل الايجابية هذه لا تتحقق ويتم بنيانها إلا بالحكمة الثاقبة والدراية الواعية لهذه المجريات؛ وذلك من خلال تدارك الأخطاء السابقة التي وقع فيها السابقون، وذلك بتمحيص جميع الأخبار التاريخية الواردة في كتب التراث أو الأخبار التي تروى فيها تمحيصا علميا ثقافيا فكريا يتفق مع العقل السليم والمنطق القويم يشترك في إعداده وإخراجه للناس نخبة علمية من الباحثين والمفكرين المنصفين.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي