قال الشيخ: مما يؤخذ على كثير من المسلمين اليوم أنهم كثيرا ما انصرفوا إلى عمارة الظاهر دون أن يزكوا بواطنهم، فترى من امن منهم وعمل «صالحا» لا يفرط في واجب من واجبات الظاهر مع بقاء هذه الواجبات كالأشباح لا روح فيها، مع كثرة من أمراض القلوب وعيوب النفوس وضلال التوجه وانعدام الإخلاص.. فإذا بكل أعمالهم تذهب هباء وإذا بهم يستحقون بلاء الدنيا وعذاب الآخرة.

فأكثر العبادات عند كثيرين اليوم هي اقرب إلى العادات تمارس بلا وعي ولاشعور فاقدة المعنى ركيكة المبنى، وأصحاب هذه العبادات يظنون بأنفسهم خيرا ما داموا قد أدوا الفرائض وقسطا من النوافل وما داموا قد ارتضوا لأنفسهم الثواب الجزيل على العمل القليل مما ورد في أحاديث فضائل الأعمال، وهم لا يدرون أن سلعة الله غالية تبذل من اجلها المهج والنفوس وتتطلب حق اليقين وصدق التوجه وصفاء الإخلاص، وتستلزم طهارة النفوس من أمراض العجب والرياء والطمع والحسد وما إلى ذلك من مهلكات لا تبقي وتذر.

فإن ظن المرء بنفسه خيرا وأعجب بعمله واعتمد عليه في تجارته مع الحق سبحانه وتعالى وربما رأى نفسه أفضل من غيره تعبدا وتنسكا كان معرضا للخسارة والهلاك لأنه لم يحسن الدخول على الله سبحانه وتعالى

ولو فهم مثل هذا عن ربه حق الفهم لعلم انه في عمله إنما هو موفق من الله فيزداد تواضعا مع الله وخلقه شاكرا الحق سبحانه تعالى على هدايته له طالبا الهدى والصلاح والقبول لنفسه ولغيره من المؤمنين والمؤمنات.

والذي يجب أن يقدره كل مؤمن أن طهارة القلوب مقدمة على طهارة الثوب، وان صفاء النوايا مقدم على إقامة الأعمال، وان صدق التوجه مقدم على القيام بالفريضة والنفل، وإلا فإنه يكون ممن يخاف عليه سوء الخاتمة والمنقلب.

ومن مظاهر التفريط إعجاب كل امرئ بنفسه أو بحلقة صغيرة من حوله وسوء الظن بالآخرين افرادا أو جماعات وامتلاء القلوب بالغل لكثير من الذين امنوا لمجرد أنهم خالفوا ما هو عليه حتى تحول المسلمون إلى مزق وفرق لا قوة فيها ولا خير.

ولا أعرف سببا لهذه العقول المغلقة والقلوب المقفلة على أحكام جاهزة ومشاعر منحازة مبغضة، فالأمر اليوم بين المسلمين اقرب إلى «عصبيات» الجاهلية التي حاربها الإسلام وطاردها الرسول عليه الصلاة والسلام.

كما انه في الوقت الذي تمتلئ فيه القلوب بالغل لكثيرين من الذين امنوا نجد الأيدي تمتد إلى من حاد الله ورسوله في موالاة عجيبة أنكر القرآن الكريم حتى وجودها، وهذه الموالاة لا يمكن إلا أن تدل على زيف في الإيمان وغشاوة على القلب لأنها تعني في حال من الأحوال نوعا من التناسب بين المؤمن وغير المؤمن بين المسلم ومن يتربص بالإسلام.

ومما يقع فيه أكثر المسلمين اليوم العزوف عما اختص به الله عز وجل امة الإسلام وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأكثرنا يرى الخطأ ويسكت عليه خوفا أو طمعا، ويأسا أو تفريطا، بل قد اكتفى بعض من يظن بنفسه الصلاح ان يعيش في بيته والدائرة الصغيرة من حوله في عزلة غريبة عن الحياة وما فيها من طامات وكوارث أخلاقية وشرعية، فإن حدثتهم بشيء من هذا فتحوا أفواههم وجحظت عيونهم واستغربوا وقوع ما وقع وما هكذا الرسالة تؤدى ولا هكذا يكون البلاغ.

يقول ابن القيم: بل أكثر ما يتعبد لله عز وجل بترك ما اوجب عليه فيتخلى أو ينقطع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرته عليه ويزعم انه متقرب إلى الله تعالى بذلك تارك ما لا يعنيه، فهذا من امقت الخلق إلى الله تعالى وابغضهم إليه مع ظنه انه قائم بحقائق الإيمان وشرائع الإسلام.

هذه أمثلة من تفريط كثيرين بواجبات القلوب وعزائم الضمائر والوجدان، وهي أسباب لسخط الله وعقابه الذي قد يتنزل على شكل بلاء في الدنيا قبل ان يؤدي إلى خسارة في الآخرة، فلا بد من تطهير الباطن مع عمل الظاهر وضبطه حتى نصبح من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

ماهر سقا أميني