تداولت وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة عددا من الفتاوى لبعض العلماء يقولون فيها إن خدمة المرأة لزوجها ليست واجبة، وإنه من حقها الامتناع عن خدمة زوجها وأولادها وفي هذه الحالة لا تعد ناشزا.. معللين ذلك بأن خدمتها له من باب حسن المعاشرة ليس أكثر.. فهل هذا الرأي الصحيح؟ وما الضوابط التي وضعها الإسلام بشأن واجبات كل من الزوج والزوجة تجاه الآخر؟.
الدكتورة سعاد صالح أستاذ الفقه المقارن ترى أن أحد الأمور المهمة التي أكد عليها الإسلام تلك المتمثلة في الحقوق والواجبات الزوجية وضرورة رعايتها من قبل الطرفين من أجل بناء أسرة قوية يسودها جو مليء بالسلام ومع هذه الأهمية اختلف الفقهاء في حقوق الزوج على زوجته، والقيام بحاجاته، موضحة أن فريقا قال إنه لا حق للزوج على زوجته في خدمته، وأن تقوم بها مختارة دون إلزام، بينما ذهب البعض الآخر إلى وجوبها عليها وما بين الفريقين ترى أستاذ الفقه المقارن أنه يجب على المرأة القيام بخدمة بيتها وتدبير شؤونه، وأن تجعل كل همها إصلاح شأنه، وأن تقوم بذلك تطوعا، وعن طيب نفس منها تقديرا لظروف زوجها سواء كان غنيا أم فقيرا، وفي المقابل على الزوج أن يدعم زوجته إذا كان قادرا على أن يحضر لها من يقوم بخدمة بيته، وعليها هي الإشراف الكامل على ذلك، وإذا لم يتيسر له الخادم فعليه أن يقتدي برسول الله بمساعدة أهل بيته بنفسه، مراعاة لخاطر زوجته، وتقديرا منه بجهودها وتكريما لها.
من ناحية أخرى تؤكد صالح على ضرورة مراعاة العرف في هذه المسألة فالزوجة عادة تقوم بخدمة زوجها كما تقوم بشؤون البيت الداخلية المختلفة تفضلاً منها كي تسير عجلة الحياة. الدكتور أبو سريع عبدالهادي أستاذ الشريعة الإسلامية ينضم إلى فريق الفقهاء الذين يقولون إن المرأة لها خدمة زوجها في مصالح البيت، امتثالا لقوله تعالى{ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}..
موضحا أن خدمة المرأة لزوجها هي المعروفة عند من خاطبهم الله تعالى بكلامه وعلى العكس قيام الرجل بالخدمة في البيت فهذا ليس من المعروف، خاصة أن الرجل يعمل خارج البيت لتوفير المال لأسرته، وبالتالي فمن العدل أن تعمل المرأة داخله ـ مازال الكلام لعبد الهادي ـ وأن كل حق يقابله واجب؛ فقد أوجب الله سبحانه وتعالى للزوجة على الزوج حق النفقة والكسوة والسكن، فضلاً عن المهر فمن البديهي أن يلقى عليها لقاء ذلك من الأعمال ما يكافئ هذه الحقوق، أما من يقول إن المهر والنفقة واجب في مقابل استمتاع الرجل فمرده أن الاستمتاع أمر مشترك بينهما.
ويستشهد عبد الهادي بما روي عن نساء الصحابة أنهن كن يقمنَّ بخدمة أزواجهن، وتأدية مصالح بيوتهن، موضحا أنه صح عن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين أنها كانت تخدم علي، وتقوم بشؤون بيته من طحن وعجن وخبز، وكانت تدير الرحى حتى أثرت في يديها، وقد ذهبت إلى النبي، وزوجها يشكوان إليه الخدمة فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة في البيت، وحكم على علي بالخدمة الظاهرة.
وإذا كان هناك من اتفق على وجوب خدمة الزوجة لزوجها، إلا أن د.أحمد ريان ـ أستاذ الفقه المقارن يرى أن جمهور الفقهاء من أهل السنة متفقون على أن الزوجة لا يجب عليها خدمة زوجها والقيام بأعمال المنزل من غسل وإعداد الطعام لأن عقد النكاح ليس من مقتضاه أن تقوم الزوجة بخدمته في البيت، ولكنه عقد للاستمتاع فقط.
ومن هذا المنطلق يؤكد ريان أن قيام الزوجة بإدارة المنزل والاهتمام به ورعاية من فيه وإعداد الطعام، إنما هو تفضلاً منها ولا تجبر عليه، ولهذا فلو امتنعت لا تعد ناشزا، بل إن الفقهاء يرون أنها إذا كانت عادة المجتمع أن يكون للزوجة خادمة أو أكثر وجب على الزوج ضمن ما يجب عليه من نفقة الزوجة أن يقدم لها خادمة تخدمها، والدليل أن نساء النبي ما قمن مجبرين على خدمة النبي فكانت هناك جوارٍ يخدمن في بيوت زوجات النبي، وبالرغم من ذلك كن يقمن بذلك تفضلاً وحبا في خدمة رسول الله.
«إن الزواج من المرأة آية من آيات الله حيث يقول تعالى، فالزوجة مكلفة بدور أساسي ورئيسي في رعايتها لبيتها وزوجها وأولادها في المقام الأول».. هذا ما يؤكده الشيخ علي عبد الباقي ـ الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية الذي يذكر أنه ورد في بعض الأحاديث أن النبي سألته بعض النساء عن الجهاد وفضله، وأن الرجال يحوزون الأجر العظيم بذلك فما هو المقابل للنساء فقال: «خدمتكن لأزواجكن تعادل ذلك»، فهذا يشير إلى حقيقة وجوب خدمة المرأة لزوجها ما يعني أن المرأة إن لم تخدم زوجها فهي آثمة مستحقة للعقاب، وإذا لم تطع الزوجة زوجها فإنها آثمة، وذلك لقول الرسول: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها«.
لكن إذا كان للزوج حقوق على زوجته، ففي المقابل لها حقوق على زوجها منها الحقوق المادية.. لافتا أن الله عز وجل فطر المرأة وخلقها وجعل فيها خصائص صالحة للقيام بشؤون البيت وتدبيره ورعاية أموره، مثلما فعلت أمهات المؤمنين حيث كن يقمن على خدمة بيت رسول الله.
ولا يجوز ـ والكلام لعبد الباقي ـ ان يقال إن العقد المعقود يقضي بالاستمتاع فقط، لأن هذا أمر مشترك بين الزوجين، فمثلما هو يستمتع بها فهي تستمتع به فهما صارا مكملين لبعضهما رأسا برأس، مؤكدا أن هذه الخدمة في حدود الطاقة والاستطاعة، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، أما أن يصل الأمر ليقال إنه لا يجب أن تقدم له كأس ماء، ولا أن تهيئ له الفراش، فيعتبر هذا إثما عظيما ترتكبه من تقوم به ومن يدعي إليه.
بدوره يقول الداعية الإسلامي الدكتور عبد الصبور شاهين إن هناك انقسامًا بين العلماء حول قيام المرأة بخدمة زوجها وأولادها، موضحا أن بعضهم قال إن كانت المرأة تقوم بهذه الأعمال التي تقوم بها في بيتها قبل انتقالها إلى منزل الزوجية فإنه يجب عليها أن تقوم بها في بيت الزوجية أيضا، ورأى بعض الفقهاء أنه إذا كانت للمرأة خادمة ببيت أبيها وكان الزوج قادرا على أن يأتي لها بخادمة فإنه يجب عليه ذلك.
واعتبر شاهين النفقة عند جمهور الفقهاء واجبة على الزوج لزوجته في مقابل الاحتباس، موضحا أن المقصود بحق الاحتباس أن تكون الزوجة مهيأة لتلبية رغبات زوجها؛ فالزوجة ليست ملزمة بالعمل كخادمة له، وأن ما تقوم به من الممكن أن تعمل خارج البيت لتساعد زوجها في نفقات المعيشة، كما يمكن أن يعمل الزوج داخل البيت في مساعدة زوجته فيما يخص بأمور المنزل، فقد كان الرسول يساعد زوجاته في أشغالهن المنزلية، وأصل الحياة الزوجية التعاون بين الزوجين.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

