سافر مرات عدة إلى أفغانستان على أنه صحافي وهناك زار مزارع الأفيون وتعرف على الكثير من المزارعين والمروجين للمخدرات واستطاع التقاط العديد من الصور للمزارعين والمروجين والمتعاطين وكان يضع هذه الصور في موضع خاص ويوزعها على أجهزة مكافحة المخدرات إقليمياً ودولياً إضافة إلى الانتربول.
بسبب نشاطه في هذا المجال وذكائه الشديد تمكن من إحباط العديد من محاولات تهريب المخدرات حتى أصبح معروفاً لدى عصابات المخدرات بأنه «العراف» الذي يهتدي إلى مروجي ومتعاطي المخدرات بكل اقتدار، حتى أصبح رأسه مطلوباً للكثير من العصابات الاقليمية والدولية. لكن «العراف» كان أقوى من كل المحاولات التي قامت بها تلك العصابات وكان في كل مرة يخرج من هذه التجربة أقوى من ذي قبل.
أكبر صفقة تهريب للأفيون النقي
جاءت معلومات مؤكدة بأن هناك صفقة لتهريب أكبر صفقة أفيون نقي في العالم، وهنا بدأت الاجتماعات والاتصالات وكان لابد من الاتصال بالانتربول للتنسيق معه حول الطريق الذي ستعبره الصفقة القادمة من أفغانستان. وهنا قام ضباط في «الانتربول» بزيارة المنطقة لوضع الترتيبات الخاصة بالقبض على المهربين ومنع الصفقة من العبور للوصول إلى جهتها في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
كانت الخطط الموضوعة تأخذ ثلاثة احتمالات لكن الاحتمالات الثلاثة كانت كلها تؤكد بأن انطلاق الشحنة سيكون عبر البحر ثم ستصل إلى محطات محلية وأقليمية وبعدها ستنطلق إلى أوروبا والولايات المتحدة.
تم تكثيف الإجراءات البحرية وزيادة عدد الزوارق ودوريات الحراسة، وبعد نحو أسبوعين كانت المعلومات التي وصلت تشير إلى أن الصفقة تحركت من الأراضي الأفغانية باتجاه البحر وأنها في طريقها إلى وجهتها، وحددت المعلومات نوع الزورق الذي يحمل الصفقة وشكله وطوله.. الخ. بدأت الأقمار الاصطناعية في مسح البحر، حيث حددت مكان الزورق وأصبح مساره خطوة بخطوة على شاشات «المونيتورز» في غرفة العمليات.
كان العراف يأكل وينام أمام شاشات «المونيتورز»، في غرفة العمليات حتى لا تفوته أية معلومة حول الزورق، فقد كانت القضية بالنسبة له قضية حياة أو موت وهكذا هو في جميع قضايا المخدرات. في صبيحة أحد الأيام وصل الزورق وكانت الاستعدادات على أشدها في الميناء، وعند تفتيش الزورق كانت النتيجة مخيبة للآمال فلم يكن عليه سوى 6 كيلوغرامات من الأفيون إضافة إلى 18 راكباً. تم احتجاز الزورق ومن فيه، ومن خلال التحقيق مع المحتجزين أفاد المدعو «ك» بأن هناك شحنة في الطريق تبلغ نحو 200 كيلوغرام من الأفيون النقي وأن هذه الصفقة ستذهب إلى دول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وأن هذه الشحنة هي للتوزيع المحلي.
وكانت المعلومات الخاصة بالشحنة الكبيرة هي ما يبحث عنها «العراف» لذا تم الاتفاق مع «ك» على أن يتصل بالعصابة في أفغانستان ويخبرها بأن الشحنة دخلت من الميناء وأنها في طريقها إلى أيدي الموزعين ليوصلوها إلى المتعاطين، ولكي تبدو الصورة صادقة تم تزويد «ك» بهاتف نقال وطُلب منه أن يتنقل في الشوارع الخلفية وهو يوزع المخدرات على العملاء، وكان ذلك بالطبع تحت سيطرة «العراف» وفريقه.
كانت المكالمات التي دارت بين «ك» وزعماء العصابة يتم تسجيلها أولاً بأول ودراسة وتحليل كل كلمة فيها. ولزيادة التمويه تم حجز غرفة لـ «ك» في فندق خمسة نجوم وكانت الكثير من المكالمات القادمة من أفغانستان تأتي على غرفة «ك» وذلك كي تتأكد العصابة من أن «ك» تمكن من إدخال المخدرات من دون مشاكل وهذا بدوره سيسهل إدخال الشحنة الكبيرة.
شيء لم يخطر على البال
في هذه الأثناء تلقى «ك» اتصالاً من العصابة مفاده أن الشحنة سيتم تأخيرها لمدة شهر وذلك لوجود مناورات بحرية أعلنتها بعض الدول الكبرى في المنطقة البحرية التي ستمر فيها الشحنة وأن الموضوع سيبقى معطلاً حتى انتهاء المناورات. ومع ذلك بقيت الأجهزة المعنية كلها في حالة استنفار فقد تكون تلك المعلومات خادعة رغم أن «العراف» كان متأكداً من أن المناورات البحرية ستُجرى في ذلك الوقت، فقد تم الإعلان عنها في نشرات الأخبار في جميع وسائل الإعلام.
في تلك الأثناء وصلت بعثة من «الانتربول» لتطلع على سير الاستعدادات للقبض على العصابة والشحنة وكان من المفروض أن يكون «العراف» على رأس مستقبلي البعثة التي كانت تتكون من 6 ضباط من خيرة الضباط العالميين في مكافحة المخدرات.
إلا أن تأخر «العراف» أثار تساؤلات عدة لكن هذه التساؤلات تحولت إلى ألم عندما عرف الجميع بأن الرجل مات ليلة أمس بسبب تعرضه للدغات من النحل من نوع (Buffalo Bees) وهو نوع كبير من النحل حيث يحمل ثلاثة إلى أربعة أضعاف السم الذي يحمله النحل العادي. كان لفقد «العراف» أثر كبير على خطط القبض على العصابة وعدم السماح للصفقة الكبيرة من العبور والوصول إلى جهتها، لكن الأوامر صدرت بالاستمرار في الاستعدادات، خاصة بعد تعيين ضابط آخر بدلاً من «العراف».
كانت المناورات العسكرية على وشك الانتهاء وهذا يعني أن الصفقة في طريقها إلى البحر، لكن حدث أمر غريب فقد كان الضابط الذي خلف (العراف) مع أحد معاونيه، حيث تعرضا للدغات من ذات النوع من النحل. بدا الأمر وكأنه، عملية مدبرة، فقد بدأ النحل يستهدف كبار الضباط المسؤولين عن مكافحة المخدرات، خاصة بعد معرفة المعلومات وتسربها عن الصفقة الكبيرة.
أصبح الأمر واضحاً بأن مهاجمة النحل هي عملية مُدبرة، خاصة بعد أن هاجمت مجموعة من النحل مدير قسم مكافحة المخدرات، لكن الحظ أسعفه، حيث تم نقله إلى المستشفى قبل أن يصل السم إلى الدماغ.
بدأت الأجهزة المختصة تتساءل عن كيفية وقوع مثل هذه الحوادث، وتم استقدام خبراء في النحل وسمومه، من إحدى الدول الأوروبية، والانتربول، في الوقت ذاته تم وضع خطة لمعرفة إن كان موت الضباط عملاً مدبراً أم لا؟ كانت الخطة تقضي بإشاعة خبر بأن العميد (ر) هو الذي سيشرف على متابعة قضية الصفقة الكبيرة وأصبح الكل يتحدث عن قدرة (ر) وخبرته الطويلة في مكافحة المخدرات.
أصبح اسم (ر) على كل لسان في القسم حتى الفراشين والسعاة في مكتب مكافحة المخدرات أصبحوا يعرفون بأن (ر) سيكون هو الضابط المسؤول عن الإمساك بالصفقة ومروجيها من العصابة. في أحد الأيام بينما كان (ر) يتناول طعام الإفطار في الكافيتريا مع عدد من زملائه تعرض لهجوم عنيف من أكثر من 20 نحلة راحت تهاجمه في كل مكان من جسمه، والغريب أنها لم تهاجم أحداً في الكافيتريا رغم أنها كانت مكتظة بالضباط من مدنيين وعسكريين.
بعد أن أفرغت النحلات سمومها في جسم (ر) وسط ذهول الحضور طارت في الفضاء لكن تم قتل بعضها والإمساك ببعضها حية، حيث تم أخذها إلى المختبر الجنائي، في الوقت ذاته تم الإعلان عن أن (ر) توفي بعد نقله إلى المستشفى في حين أن (ر) لم يصب بأذى فقد كان يلبس تحت بدلته العسكرية بدلة أخرى من البلاستيك اللبيد حيث أفرغت النحلات سمومها في بدلة البلاستيك في حين تمت تغطية وجهه بجاكيت كان جاهزاً لهذا الغرض. بعد هذا الحادث أصبح واضحاً أن النحل يتم توجيهه إلى ضابط معين وأن الذين قُتلوا من الضباط قُتلوا بفعل فاعل.
البحث في المجهول
وقف ضباط المكافحة حائرين أمام هجوم النحل، في انتظار تقرير المختبر الجنائي الذي ينتظره الجميع بفارغ صبر، جاء في تقرير المختبر أن النحل يتم برمجته وفقاً لرائحة الضابط، حيث يتجه النحل إلى الضابط بعد أن يتعرف إليه من خلال رائحة عرقه، ثم يهاجمه بشراسة ويفرغ سمه فيه ثم يطير هارباً، وقد أيد هذا التقرير خبراء من «الانتربول» الذين شاركوا في حل لغز النحل.
لكن السؤال الذي فرض نفسه هو كيف وصلت رائحة الضابط إلى النحل، حيث أفادت المعلومات التي أدلى بها خبراء الإنتربول بأن النحل يحتاج إلى خمسة أيام كي يتعرف على رائحة البارود ليكشف عن الألغام، وبالتالي فهو بحاجة إلى ذات المدة كي يتعرف إلى رائحة الضابط، وهذا يعني أن هناك أشخاصاً يوجهون النحل القاتل إلى الضابط بعد أن يدربونه على رائحة ملابسهم لمدة خمسة أيام، لكن من أين لهؤلاء الأشخاص بملابس الضابط.
بدأت الأمور تأخذ منحى متسارعاً في ظل معلومات عن قرب تحرك الشحنة الكبيرة إلى البحر، في الوقت الذي لا تزال فيه قضية النحل تشغل بال جميع المسؤولين في الجهاز. قال أقرب احتمال أن يكون أحد الأشخاص في المصبغة التابعة للجهاز والخاصة بتنظيف ملابس الضابط هو من يقوم بذلك، وللتأكد من هذا الأمر، تم تسريب معلومات للعاملين في المصبغة بأن الضابط (س) تم تكليفه بمتابعة القضية.
بعد يومين من ذلك قام «س» بتسليم بدلته العسكرية إلى المصبغة، وتمت مراقبة كل شيء عن طريق إحدى الكاميرات التي تم وضعها في المصبغة، حيث قام أحد الموظفين بوضع بدلة الضابط (س) في كيس من البلاستيك، وعند انتهاء دوامه أخذها معه.
أخذ الموظف البدلة وانطلق بها إلى مكان بعيد، وبالطبع كانت العيون والكاميرات في سيارات الجهاز تتبعه حتى انتهى به الأمر إلى ورشة نجارة بسيطة، حيث أوقف سيارته أمامها وأخذ كيس البلاستيك الذي فيه بدلة الضابط ودخل إلى الورشة.
بعد خروجه من الورشة، اتصل من هاتفه النقال برقم، وقال في الاتصال إنه سلّم «الأمانة» لكنه يريد استعادتها بسرعة، تم تعقب الاتصال ومعرفة الرقم الذي اتصل به الموظف ووضع الرقم تحت المراقبة.
قبل أن يصل الموظف إلى بيته، تم اعتقاله، وبعد أن تم عرض الشريط عليه بكل تصرفاته وإسماعه المكالمة التي أجراها، بدأ الرجل يعترف بأنه على علاقة بعصابة المخدرات، وأن الورشة الذي ذهب إليها هي المقر الرئيسي للعصابة.
بسرعة كبيرة تم اتخاذ الإجراءات القانونية ومهاجمة الورشة بعد قطع الاتصالات عن المنطقة، سواء الاتصالات الأرضية أو المحمولة، حيث تمت المداهمة بقوات كبيرة استخدمت فيها طائرات عمودية لضمان عدم هروب أحد عند الدخول إلى الورشة كانت المفاجأة أن الورشة مقامة على معمل تحت الأرض يضم غرفتين مزودتين بأجهزة علمية حديثة لإنتاج مادة «ذْمكََُِّّّْْ» وصناديق زجاج تضم ؟؟ نحلة من النحل القاتل، إضافة إلى أسلحة خفيفة ومتوسطة.
خلال التحقيقات مع المتهمين اعترفوا بكل ما نسب إليهم، وقال زعيمهم إنه تم إرسال النحل القاتل إلى الضابط بعد أن تم تدريبه على شم رائحتهم من خلال ملابسهم التي كان يحضرها موظف المصبغة.
وأضاف أن عصابته توصلت إلى هذه الطريقة للخلاص من الضابط بعد التقارير العلمية التي توصلت إليها جامعة مونتانا الأميركية وبثتها محطة الـ (خء) على حلقات عدة والتي قالت فيها ان العلماء في الجامعة تمكنوا من تدريب النحل على شم رائحة البارود وتتبع الألغام الأرضية خلال رحلة تدريب لا تزيد خمسة أيام، حيث اكتشف النحل مئات الآلاف من الألغام الأرضية في أفغانستان ومئات العبوات الناسفة في العراق.
وذلك لأن قوة الشم عند النحل أقوى بكثير منها عند الكلاب البوليسية فهي تطير مئات الكيلومترات من أجل حقل من الزهور في حين أن حاسة الشم عند الكلاب محدودة وتحتاج الكلاب إلى ستة أشهر من التدريب. وأضاف الرجل بأن عصابته الموزعة على رقعة كبيرة من الكرة الأرضية لديها مئات العلماء في الفيزياء والكيمياء والعضوية وأطباء الأعصاب وأنها أرسلت اثنين من علمائها لتدريب النحل على شم رائحة ملابس الضباط ونجحت في ذلك.
وقال انه بعد أن يتم تدريب النحلة على رائحة ملابس الضابط يتم وضع (20) نحلة في مكعب زجاجي ثم يتم تحفيز أدمغتها ببعض السوائل مثل سائل الـ (ءٍ ذويٌيَم) فتصبح شرسة للغاية وعلى بعد نحو (200) متر من مقر القيادة الأمنية يتم فتح المكعب الزجاجي فينطلق النحل إلى حيث صاحب الرائحة ويهاجمه النحل بشراسة كبيرة.
وأشار إلى أن هذا النوع من النحل الإفريقي تم تطويره في غابات المكسيك وكاليفورنيا وفي مختبرات خاصة في المكسيك وأن كل نحلة تحمل كمية من السم تعادل أربعة أضعاف ما تحمله الـ (ٌفكً طيلٌُّ)، لذا فإن لسعاته مميتة، لا محالة، خاصة إذا زاد عدد النحلات التي تشارك في اللسع عن خمس أو ست نحلات. كان الكل يستمع بذهول لهذه الأساليب الإجرامية وهنا قال المحقق لزعيم العصابة سوف أعدمك بعد أن ألقي القبض على عصابتك القادمة من أفغانستان ومعها الشحنة الكبيرة. فقد سجلنا كل المكالمات التي دارت بين (ك) والعصابة في كابول وتلك التي تمت بينكم وبين مجموعة أخرى في كولومبو والمكسيك وأن البوليس الدولي على علم بكل ذلك.
وهنا قال الرجل بأن الشحنة وصلت بسلام إلى جهتها قبل نحو أسبوع فرد عليه الضابط لكنكم قلتم في مكالمات مع (ك) بأن الشحنة لن يتم تحريكها كل انتهاء المناورات البحرية، فرد الرجل قائلاً بأن (ك) كان مجرد طعم دفعته العصابة إليكم ليعطيكم معلومات خاطئة أما بخصوص المناورات فقد قدمت لنا خدمة العمر حيث تم استغلالها للإبحار بعيداً عن المميزات المائية المعروفة هنا سأله الضابط وهل يعرف (ك) بأنه ومجموعته والمخدرات التي كانت معهم طعماً، فقال بالطبع لا يعرف، ولكن لا بأس بالتضحية بالبعض من أجل الكل.
إعداد أحمد سلطان
