ربط محللون انسحاب الإمارات من مشروع الوحدة النقدية الخليجية بقرار مجلس التعاون بشأن مقر البنك المركزي الخليجي. ونقلت «رويترز» عن مسؤول بالدولة القول إن الانسحاب سيضعف الاتحاد. وأشار إلى أن تميز الإمارات بالانفتاح الاقتصادي كان سيجعل منها الاختيار الأفضل لاستضافة البنك المركزي.

وفي ذات السياق شبه إيكارت فورتز مدير برنامج الاقتصاد لدى مركز الخليج للأبحاث تأثير انسحاب الإمارات من المشروع بالتأثير الذي يمكن أن يحدثه انسحاب لفرنسا من منطقة اليورو، وقال إنه لا يعتقد أن الوحدة النقدية الخليجية شكوك ذا قيمة كبيرة. ويرى المحللون أنه لا يجب أن يقع مقر كل من أمانة مجلس التعاون الخليجي والمصرف المركزي الخليجي في نفس البلد.

وكانت الإمارات أول من تقدم في العام 2004 بطلب رسمي لاستضافة المصرف المركزي الخليجي المزمع إنشاؤه، وذلك كجزء من ترتيبات الدخول في الاتحاد النقدي لدول المجلس. ولا يوجد في الإمارات أي مقر أو مركز لأي من المؤسسات والهيئات التابعة لمجلس التعاون الخليجي. والإمارات هي ثاني دولة تنسحب من اتفاقية الاتحاد النقدي بعد سلطنة عمان التي قررت عدم الانضمام للاتفاقية في نهاية عام 2006.

ومن جانبه قال محمد ياسين الرئيس التنفيذي ل«شعاع» للأوراق المالية إنه يعتقد أن البيان جاء بصورة أكبر احتجاجاً على قرار اختيار المملكة العربية السعودية مقراً للبنك المركزي الخليجي. وأضاف انه جاء علاوة على ذلك احتجاجاً على الطريقة التي تم بها الاختيار، وليس مكان الاختيار، وأشار إلى اعتقاده بعدم تأثير الأمر على الاقتصاد.

نموذج لدول الشرق الأوسط

نظر المحللون إلى تجربة الإمارات في مجال النمو الاقتصادي على أنها تقدم نموذجا اقتصاديا واجتماعيا يعبر عن القرن الحادي والعشرين، من زاوية أنها تمثل بوتقة صهر لظواهر واتجاهات متنوعة تجمع بين الليبرالية الجديدة والتوجه اللاحمائي، وأنماط حياة تتميز بالسرعة في الإنجاز وانتعاش الاستهلاك، وفي السياق ذاته، هناك فريق ثان نظر إلى تجربة الإمارات على انها قريبة الشبه من نموذج سنغافورة في التنمية، وفضل هذا الفريق توصيف الإمارات بأنها سنغافورة العرب.

ورأى فريق ثالث في تجربة الإمارات أنها تمثل إحياء لدور المدن العالمية، ونظر فريق رابع إلى هذه التجربة على أنها تجسيد عملي وواقعي للعولمة، وتعبير حي عن الانتصار الحاسم لمبدأ الاقتصاد الغربي القائل دعه يعمل دعه يمر، وعلى نفس المنوال، قيم فريق خامس تجربة الامارات على أنها تقدم برهانا ساطعا على عدم التناقض بين الثقافة العربية وقيم ومبادئ الاقتصاد الحر.

وفي غمرة هذه التوصيفات والتسميات المتنوعة، تطل تأثيرات النموذج الإماراتي على المحيط العربي المتسع، وفي هذا المجال، فضل البعض توصيف هذه التجربة على أنها تمثل طريق سكة حديد بالنسبة للشرق الأوسط، وشرح هذا التعبير المجازي بقوله : مثل طريق سكة الحديد بالنسبة للتجربة الأميركية الحل الأسرع لربط الساحل الشرقي بالغرب الأميركي.

وبالتالي، كان الأسلوب الأكثر كفاءة في استغلال الموارد هناك، وينسحب الأمر ذاته على دبي، فهي تعد طريق سكة حديد بالنسبة الأوسط. وعبرت هذه الأقوال عن اتجاه يسود مختلف الأوساط، بأن نموذج الإمارات يقدم إجابة في معالجة التحديات والمتاعب التي تواجه الدول العربية.

قيادة صناعة المال الإقليمية

تحولت الإمارات من مجرد ساحة أعمال تتميز بوجود بنية تحتية بالغة التطور على أرقى المقاييس العالمية وقادرة على استقطاب اللاعبين الماليين بمختلف أوزانهم وأحجامهم وتخصصاتهم وفقا لأرقى المقاييس العالمية إلى قوة تغيير لأنماط وأشكال ممارسات الأعمال على مستوى الدولة ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، بحيث تكون منسجمة مع أفضل الممارسات العالمية، وتؤسس في الوقت ذاته بيئة أعمال متسقة مع معايير الشفافية والحوكمة تخدم في تعزيز مكانة الدولة كمركز لصناعة الخدمات المالية على مستوى العالم وتحفز على إصلاح بقية الأسواق الإقليمية.

وقد أضحت الدولة مركزا لصناعة المال على امتداد البقعة الجغرافية المحصورة بين الأسواق الغربية ومثيلتها الآسيوية، وينشط على هذه الساحة العديد من المؤسسات المالية في المجالات المتنوعة لصناعة المال والتي يعتمد نجاحها على توافر ثقة المستثمرين سواء أكانوا أفرادا أو شركات، حيث تمكنت الدولة من ملء فراغ عانى منه أصحاب الثروات العربية لعقود، وهو غياب وجود مركز مالي عربي يضع ضمن أولوياته خدمات إدارة الأصول والثروات، وهو ما جعل بوصلتهم تتجه تلقائيا إلى عواصم المال في الغرب ، وذلك رغم الجدل المثار دوما حول ما درجت الأدبيات العربية على توصيفه بالأموال العربية المهاجرة.

تقديم خدمات مالية لتعظيم عوائد النفط

تلعب الإمارات دورا حيويا في تعظيم عوائد الدول المنتجة للنفط من السيولة الضخمة التي تمتلكها، نظرا لامتلاكها مؤسسات منخرطة في مجالات متعددة لصناعة المال، وهو ما أشر على شغل الدولة مكانة متألقة على صعيد صناعة المال في المنطقة سواء على صعيد التمويل الإسلامي أو تجارة المشتقات والمنتجات المهيكلة، فضلا عن الاستثمار في الملكية الخاصة ، وبقدر ما حفزت أحجام السيولة المالية العالية التي تمتلكها دول الخليج على تطوير هذه الصناعة.

فإنه وبالقدر ذاته، ساهمت بيئة الاستثمار المواتية في الدولة في تحويلها مركزا لشركات وصناديق الاستثمار التي تعمل كهمزة وصل بين السيولة النقدية والأوعية الاستثمارية من خلال عمليات الاستحواذ وشراء حصص أسهم في الشركات، وبعدما كان هذا المجال قاصرا على الصناديق الاستثمارية السيادية، أصبح الآن جاذبا للأفراد الأثرياء الذين اعتبروه بمثابة الخيار المنطقي لتحقيق عوائد قوية في ضوء التراجع الحاصل في أداء أسواق الأسهم المحلية، وبناء على هذه المكانة المتميزة، حققت الإمارات قصب السبق في التقدم بطلب استضافة مقر المصرف المركزي الخليجي، خاصة وأنها لا تستضيف أيا من مقرات مجلس التعاون الخليجي.

تطبيق أرقى معايير الشفافية والرقابة

تطبق الإمارات أرقى معايير الشفافية والرقابة وتطبيق الحوكمة الجيدة التي تعد أهم العوامل لتحقيق معدل نمو ثابت في أسواق المنطقة والقطاع المالي الإقليمي، وفي هذا المجال يسعى معهد حوكمة التابع لمركز دبي المالي إلى مساعدة دول وشركات المنطقة في هذا المجال بما يسهم في إرساء أسس التكامل الاقتصادي والمالي بين المنطقة وبقية دول العالم، فضلا عن سد فجوة حوكمة الشركات بين الأسواق الدولية و الإقليمية والمضي نحو التكامل الاقتصادي و المالي من خلال إحداث توافق بين معايير حوكمة الشركات.

كما عمل معهد حوكمة على إرساء صناعة مال محلية متسقة مع أفضل ممارسات الأعمال على مستوى العالم، وتحرك على المستوى الإقليمي بغرض التوعية بمقاييس الحوكمة، وحث السلطات النقدية والمالية في مختلف دول المنطقة على وضع أبنية تشريعية وقانونية ورقابية متسقة مع تلك الموجودة في أسواق العالم المتقدم.

دولة أعمال من الطراز الأول

تضافرت عبقرية الإنسان والمكان في جعل الإمارات تتبوأ مركز الأعمال الأول على مستوى منطقة الشرق الأوسط، وتشغل أيضا مكانة المركز التجاري العالمي، وصار البعض يحلو له توصيف الدولة على أنها سوق كبير زاخر بالمشترين والبائعين والبضائع والخدمات من كل نوع وصنف، وفضل البعض الآخر نعتها بأنها دولة تجارية من الطراز الأول، تتجاوز فيها قيمة صادراتها وواردتها مجتمعة ناتجها المحلي الإجمالي، بل ونجحت في حصد الكثير من الألقاب والتسميات ، من بينها، حصولها على لقب المركز العالمي للنقل البحري والخدمات اللوجيستية ولقب مركز التسعير العالمي للسلع والخدمات ولقب مركز التمويل العالمي.

وقد اتبعت دولة الأعمال - إذا ما جاز التعبير - إستراتيجية ناجعة تهدف إلى خلق بيئة أعمال مواتية للنمو الاقتصادي، وهو الأمر الذي ساهم في شغل الإمارات المكانة العالمية كمركز دولي للتجارة والتمويل والخدمات، وجذبها الشركات الدولية ذات السمعة والشهرة العالمية وركزت على تمتين وتقوية وضعها كمركز تجاري للشركات الخاصة، وبالتالي، ظهرت الإمارات كنموذج قابل لان يكون مثالا يحتذى به ضمن أنماط التنمية الاقتصادية والتحديث.

دبي ـ مجدي عبيد