في أحد الصباحات المشمسة، وعلى سواحل الإمارة الذهبية.. بموازاة الخط الفاصل بين زرقة المياه واحتراق الرمل بنار الصيف خلعت تلك الحسناء الأجنبية العباءة على الرمل كاشفة عن الكثير من البياض.. عن المستور وغير المرئي من لباس البحر .. عن تفاصيل لا يتم تداولها بانفتاح في الأماكن العامة المختلطة .. علها تدري أو تجهل ..- بصرف النظر عن الإحساس العام الذي يخلفه ذلك المشهد في مجتمع محافظ- أنها تخترق بهذا السلوك هيبة العباءة ... التي وإن اختلفنا على تصنيفها ضمن الرموز الدينية أو الثقافية.. ففي زمن العولمة هي منطقة محظورة لا يجوز التلاعب بأمنها وعفتها في مجتمع تُعد العباءة فيه زياً رسمياً للمرأة.. وتقليداً متوارثاً.

اعتادت تلك الحسناء أن ترتدي العباءة في رحلاتها المستمرة إلى البحر. مبررةً ذلك بما يوفره ذلك الزي من راحة في الحركة.. ومظهراً أكثر جاذبية في مجتمع يقدّس العباءة ويحترم من ترتديها.

العباءة اليوم تقف على أعتاب جلباب الحشمة.. تتأرجح على حبال العصرنة والحداثة.. وتجتث جذوراً تصلها بالماضي.. وكأنها طلعت مع «الفقع» لا أهل لها ولا وطن. فبين مصمم العباءات الشرق آسيوي وخياطها الآسيوي ضاعت «طاسة» الحشمة.. وغابت معالم الأصالة فيها.. وسهل تشويهها.. فآخر التصاميم يتخذ من الساري الهندي قالباً للعباءة.. بإكسسواراته وتطريزه.. وتنطلق منه نحو العالمية.. برسومها وزخارفها الشيطانية. المصمم الآسيوي ذلك يطالب بأن تكون العباءة مزيجاً من الحداثة والأصالة وأن تصل للعالمية على كف الأناقة.. أن تستخدم أقمشة شفافة.. وأن تصبح العباءة أكثر أنوثة.«يعني مخصرة شوي وشفافة شوي». هل تصبح العباءة عباءةً بعد كل تلك التغييرات؟

معلوم .. فهم لم يروا الجدات .. ولم يدركوا بأن العباءة أيقونة متوارثة وزي وطني كما هو الساري الهندي والكيمونو الياباني والثوب السوداني تماماً.

عودة

الجذور دائماً غالية.. ولا بد أن تكون قوية.. فالمساس بها يطال أجيالاً من الحضارات .. عند تتبع الخيط التاريخي للعباءة .. نجد أنها ظهرت في شبه الجزيرة العربية قبل دخول الإسلام باعتبارها جزءاً من زي المرأة.. واتسعت دائرتها لتشمل أجزاء من بلاد الشام وفارس بمسميات مختلفة، ومعالم أساسية متشابهة. كاللون الأسود وضرورة تمتعها بعناصر الحشمة التي (كانت) تقوم بالهدف الرئيسي. أما في مجتمعنا فعُرفت العباءة الإماراتية القديمة باسم السويعية وقبلها باسم الدفّة. وهي النسخة النسائية من «البشت» الرجالي والتي تلبس فوق الرأس وتكون عادةً مصنوعة من خيوط الصوف السوداء التي تنوعت بين الخفيفة والثقيلة تبعاً للموسم.. بتطريز ذهبي عند الرأس.

تُرى هل تتحور السويعية وتنتج عباءة هجينة؟ وهل يُفرز تمازج الثقافات وانصهار الحضارات عباءة «كاجوال» وأخرى «سبور» وثالثه «سواريه» وواحدة للنوم ؟ مع وجود هذا الكم من مصممي العباءات لا خوف على المهنة. ولكن قراءة مستقبل العباءة بات أمراً ملحاً. سيما بعد دخول العباءة «المخصرة» و«الإسترج».. واقتحام لاعبين جدد لتلك الصناعة. حتى أصبحت العباءة تعرّي أكثر مما تُغطي.. فهي الأخرى مستوردة.. لا تراعي الهدف الذي وجدت من أجله. صنعتها أيدٍ غريبة وصممت تفاصيلها وتعرجاتها الفاضحة.. فأضحت لا تشبه جذورها أبداً..

لحظة.. لماذا كل هذا الدفاع المستميت عن العباءة؟

لأن ما يطالها خطير جداً..

أسرار

هناك في ساعات متأخرة من ليل أرخى ستائره على أحداث يومية روتينية. تدور في الساحات الخلفية فصول أخرى من مغامرات الآنسة عباءة - بسندريلا التي فقدت والدتها وأُجبرت على خدمة زوجة أبيها والخضوع لأوامرها مرغمةً- تتقمص دوراً آخر في المهمات الليلية.. في دهاليز جرائم الاتجار بالبشر هي أيضاً تلعب دور الحشمة.. وجواز السفر للمرور من وإلى الغرف المظلمة. قبل وبعد أداء المهمات الرخيصة.. وتتابع المسير في شوارع قذرة.

ولكن! هل تأتي الساحرة لتنقذ سندريلا ؟ كلا.. فالساعة وقتها تكون قد تجاوزت منتصف الليل.

تستمر حكايات العباءة مع طلوع الفجر. فهي منذ أن جاءت من وطنها للعمل في وظيفة متواضعة وتكبدت عناء الغربة أعواماً وهي تحلم بالاستقرار الأسري والمادي. وأخيراً اكتشفت الوصفة. الآنسة عباءة مجدداً. تصطاد بها زميلها المواطن. الذي يكنّ لرائحة الجذور الحب والولاء.. ويرى فيها صورة الوالدة. حتماً ستبارك ذلك الزواج سيما وأنه يرتدي عباءة التقاليد.

مرة أخرى.. الآنسة عباءة على أبواب الجمعيات التعاونية.. والأسواق التجارية.. بلهجة إماراتية عرجاء تستجدي حليباً للأولاد .. وأقساطاً للمدرسة.. وأدوية وحفاظات.. والقائمة تطول..

احتشام

الإماراتية.. وريثة العباءة وسليلة الحشمة. تروج اليوم لعباءتها بفرح في محافل تصميم الأزياء الدولية.. «أحلم بأن تُباع عباءاتي في دور الأزياء العالمية. وأن ترتديها مختلف النساء». ليست ملكك. أنت مؤتمنة عليها.. ولعل لا شيء يستدعي ذلك الانفتاح والتمازج.. فالناتج أبداً لا يشبه العباءة.

لذا وجب التصحيح. فالعباءة جزء منك وفيك تكمن قصة الحفاظ عليها والذود عن أسوارها.. فأنت مرآة ذلك التراث.. وانعكاس لتقاليده.. ومن يهن يسهل الهوان عليه.

أمل الفلاسي