أوصى مؤتمر«البيان» السنوي الذي عقد مؤخراً في دبي بإنشاء مركز وطني للتوعية بأخطار المخدرات يركز على الأسرة وفئة الشباب تساهم فيه الكثير من المؤسسات الحكومية والخاصة والأفراد.

وناقش المؤتمر الحلول العملية للقضاء على ظاهرة المخدرات وانتشارها في المجتمع وشدد على ضرورة تضافر الجهود المجتمعية والإعلامية لنشر الوعي بين جميع فئات المجتمع لمنع انتشار التعاطي ووضع الحلول الناجعة للتخلص منه.

ودعا الرائد الدكتور جمعة سلطان الشامسي مدير إدارة التوعية والوقاية في الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بالقيادة العامة بشرطة دبي في ورقته «المخدرات وتأثيرها على النسيج الاجتماعي وأمن المجتمع في دولة الإمارات» الصحافة للاهتمام في نشر قصص الأشخاص المتورطين في تعاطي المخدرات ومعاناة أسرهم وأبنائهم.

ودعا إلى التخلص من مأساة التعاطي ومحاربتها لأنها بحسب الدكتور الشامسي تشكل خطرا على العديد من فئات المجتمع الإماراتي من المواطنين والمقيمين، منوها بضرورة تكثيف الجهود المخلصة والوفية من اجل حماية الشباب من هذا البلاء وعلاجهم الصحيح من أجل ضمان عودتهم للمجتمع السوي مرة أخرى.

وذكر بأن أهمية الورقة تعود إلى التأثير الكبير لمشكلة المخدرات على المجتمع وتدمير أفراده وإلى ظهور العديد من الأمراض المعدية نتيجة التعاطي بالإضافة إلى تفكك النسيج الاجتماعي نتيجة وفاة الأب أو سجنه وانقطاع الدخل الذي يساعد على توفير الحياة الكريمة لأفراد أسرته.

وأوضح بأن الصحف المحلية في الدولة اهتمت بنشر الجانب الجنائي لقضية المخدرات بما يتعلق بالإجراءات والعقوبات وأحكام القضايا من خلال ما تصدره المحاكم في الدولة، وبيان الأحكام الخاصة بمختلف القضايا من تعاطي وترويج وتهريب واتجار بالمخدرات، إضافة إلى نشر أحكام البراءة للمتهمين وأسبابها، وأن الصحف خلت إلا ما ندر من حوارات ومقابلات لأشخاص وقعوا في مشكلات المخدرات والتحدث عن المآسي التي مروا بها خلال مرحلة التعاطي وبيان المشاكل الأسرية التي لحقت بهم وبأسرهم خلال تلك الفترة، إضافة إلى تحفظ الجهات الأمنية في نشر تلك المعلومات وخاصة التي تتعلق بأسرة المتعاطي.

أسباب التعاطي

وأشار الشامسي إلى أن الأسباب التي تؤدي ببعض الأفراد إلى تعاطي المخدرات والعقاقير غير المشروعة، تختلف بحسب الأفراد وخصائصهم الشخصية وقال: عادة ما تكون صفات الأشخاص الذين ينجذبون لتعاطي المخدرات هم الذين يملكون رغبة في المغامرة أو الذين يعانون من القلق والاكتئاب النفسي، وعدم الثقة في النفس، والتقليل من قيمة الذات، ومن يعانون من عدم وجود حافز، والفاشلون دراسيا، والذين يميلون لعدم احترام التقاليد والقوانين والأعراف، ومن عنده ضعف في الوازع الديني، والبحث الدائم عن اللذة الحسية، موضحا بأنه في حال توفر تلك السمات ووجود دور سلبي للوالد في التعامل مع انحراف الابن فذلك يزيد من حالات التعاطي والانحراف.

وكشف عن أن الدراسات في دولة الإمارات ومنها الدراسة الميدانية التي أجراها خبراء مركز البحوث والدراسات الأمنية والاجتماعية بشرطة أبوظبي والتي شملت 49 مدمنا يخضعون للعلاج وتم التوصل فيها إلى أن أهم الأسباب المؤدية إلى تناول المخدرات للمرة الأولى هي الفضول والرغبة في التجربة، والإحساس بالفراغ والملل، والإهمال الأسري، وقال إنه نادرا ما يتم التعاطي لأول مره بمعزل عن الآخرين فحوالي 88% من المدمنين تناولوا المخدرات للمرة الأولى بوجود آخرين وفي الغالب أصدقاء السوء، كما وجدت نفس الأسباب تقريبا من خلال البحث الذي قام به خبراء مركز البحوث والدراسات بشرطة الشارقة على مجموعة من المتعاطين.

الآثار الاجتماعية

وقال الرائد الشامسي إن عملية الاتجار أو تعاطي المخدرات تؤدي إلى ظهور مشاكل اجتماعية، وتصاحب تلك المشكلات التقدم الصناعي، ويزداد الشعور بها عند بعض مجموعات السكان عندما يقارنون الظروف التي يحياها الناس مثلا بالظروف التي كان ينبغي أن تكون موجودة، فالمدمن المتزوج المنجب يمثل من خلال دور الأبوة الذي يقوم به خطرًا يفوق كثيرًا خطر المدمن الأعزب أو غير المنجب، والمدمن ذو الصداقات المتعددة يمكن أن يوقع بالمجتمع أضرارًا تفوق أضرار المدمن الأشد ميلا إلى الانسحاب والعزلة، والمدمن الذي يشغل موقعًا هامًّا من مواقع المسؤولية في الدولة يمكن أن تكون لأضراره دائرة بالغة الاتساع.

الإدمان والتحصيل العلمي

وقال الرائد الشامسي إن الدراسات أبرزت بأن تعاطي المخدرات له آثار سلبية على النواحي التعليمية للطلاب الذين يتعاطون المخدرات، وذلك لأنهم يهملون واجباتهم المدرسية ويتغيبون عن حصصهم الدراسية، كما يميل بعض الطلاب إلى ارتكاب أفعال لااجتماعية سواء مع زملائهم أو مدرسيهم، وهذا يوقعهم في دائرة التأخر الدراسي، ومن خلال دراسة قام بها باحث على مجموعة من المدمنين تبين أن نسبة كبيرة منهم لم ينهوا التعليم الثانوي، والكثير منهم تركوا الدراسة وهم في عمر مبكر وذلك محاولة منهم للحصول على عمل من أجل توفير المبالغ النقدية اللازمة لتوفير المخدر والطلب الملح في زيادة تلك المبالغ مع زيادة الجرعات المطلوبة من المخدر.

عدوى الإدمان

وبين الشامسي بأنه وبناء على الدراسات فقد لوحظ أن هناك نسبة كبيرة من أبناء متعاطي المخدرات قد أصبحوا أطفالا منحرفين (أحداثًا جانحين) وإن الأحداث المنحرفين ينحدرون في الغالب من أسر عرف عنها ممارسة السلوك المنحرف، وأحد مظاهر هذا السلوك المنحرف هو تعاطي المخدرات، كما أشارت بعض الدراسات إلى أن الأطفال المنحرفين وصفوا والديهم بأنهم متعاطو مخدرات، لذلك فهم يشعرون بالعداوة نحوهم ومع ذلك يميلون إلى تقليد سلوك والديهم، وإلى أن الأسر التي يوجد فيها أفراد منحرفون هم في الغالب متأثرون بنمط أو آخر من أنماط الانحراف داخل الأسرة، وقد يتمثل ذلك في كون الأب سكيرًا أو مدمنًا للمخدرات.

وذكر د.الشامسي في كلمته أن القدوة السيئة تعد أساسًا في السلوك الجانح للأطفال، سواء تمثل ذلك في عادات سيئة، كإدمان الخمر أو المخدرات أو الاعتياد على القمار، أو في نشاط مناف للأخلاق، أو متسم بالطابع الإجرامي: كالتحريض على الجريمة بالإكراه، أو التهديد أحيانًا، أو التحريض على الاستجداء من الغير.

التشديد على دور المؤسسات التربوية وإعداد برامج للطلاب

شددت ورقة الرائد الدكتور جمعة سلطان الشامسي مدير إدارة التوعية والوقاية في الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بالقيادة العامة بشرطة دبي على تفعيل دور المؤسسات التربوية في جانب العمل الوقائي بتقويم المناهج بما يتلاءم ومستجدات العصر.

كما شدد على ضرورة إعداد برامج وقائية بأضرار المخدرات تستهدف بالدرجة الأولى طلاب المدارس والجامعات كونهم الأكثر عرضه للانزلاق في مجال المخدرات وبالتالي تقليص القاعدة، وتنشيط حقيقة العلاج بدون عقاب لدى المدمنين لتشجيعهم على تقديم أنفسهم إلى إدارة المكافحة معترفين بتعاطيهم لإحدى المواد المخدرة، حيث إنه لا تزال نسبة كبيرة من المدمنين لا تثق بهذه الحقيقة ويعتقدون باحتمالية تعرضهم للعقاب.

واعتماد الرعاية الاجتماعية الشاملة كأحد أهم أساليب رعاية وإعادة تأهيل المتعاطين، مع ضرورة الاهتمام بالرعاية اللاحقة لمن يغادرون مراكز التأهيل النفسي أو الإصلاحي. ودعا إلى تغيير النظرة إلى المتعاطي بعد شفائه وإتاحة الفرصة له كاملة لمواصلة عمله السابق إن كان له عمل قبل الإدمان، أو إيجاد عمل مناسب له أو مواصلة دراسته إن كان طالبًا، والقيام بإعداد الأبحاث والدراسات العلمية المتخصصة على المخدرات والمؤثرات العقلية التي يساء استعمالها، للوقوف على حجم ظاهرة التعاطي والإدمان بمستوياتها المختلفة، ومعرفة واقع المشكلة أولا بأول، ووضع الخطط اللازمة لمكافحتها والسيطرة عليها.

وذكر أنه في العام 2007 تم عمل دراسة تناولت حوالي 70 شخصاً لم تشملهم الدراسة الأولى ومن خلال تلك الدراسة تم طرح السؤال حول نوعية المخدر المستخدم في أول عملية تعاطي للمدمن وتبين بأن مخدر الحشيش جاء كأول مخدر يستخدم عند بدايات التعاطي بنسبة14 .37% ثم مخدر الهيروين بنسبة 14 .27%، ثم الحبوب المخدرة والعقاقير والأدوية بنسبة 28 .24%، والأفيون بنسبة 28 .4%، والماريجوانا بنسبة 28 .4، والمواد المستنشقة (الغراء) بنسبة 85 .2%، ونلاحظ أن غالبية المدمنين بدؤوا بتدخين مخدر الحشيش ويعتبر من الأساليب الشائعة في تناول المخدرات للمرة الأولى وهذا ما أكدته العديد من الدراسات التي أجريت في نفس المجال.

وقال الرائد الشامسي نجد أن هناك تغيرا في أنماط التعاطي من عام إلى عام حيث وجد في العينة الأولى (2006) إن المخدر الأول في التعاطي أو التجربة الأولى كان مخدر الهيروين بعكس العينة الثانية (2007) حيث كان المخدر في التجربة الأولي هو مخدر الحشيش، ومن خلال الإحصائيات الموجودة نجد أن هناك توجها بين المدمنين في الفترة الأخيرة لتعاطي الحبوب المخدرة وخاصة غير المدرجة في جداول قانون المخدرات وذلك للإفلات من العقاب.

رعاية

العلاقات الأسرية

أوضح الدكتور الشامسي أن إدمان المرأة يؤدي إلى تدهور العلاقات الأسرية باعتبارها ربة الأسرة المسؤولة عن تربية أبنائها، مما يجعلها غير مهتمة بتربية أفراد أسرتها وتعتبر بالنسبة لهم مثلا سيئًا لعدم تقديرها للمسؤولية وإهمال واجباتها الأساسية وهي العمل على توفير احتياجات أفراد الأسرة ورعايتهم.

الحب والحنان

انهيار الأسرة يشكل عاملا أساسيا في انتشار ظاهرة التعاطي إضافة إلى شعور المتعاطي بأن من حوله يخافون منه وعدم مشاركته في الأنشطة الاجتماعية وعزله ونظرة المجتمع للمدمن على أنه منبوذ، فقدان الأبناء للحب والحنان داخل الأسرة، وقال إن الأسر التي يوجد فيها أفراد منحرفون هم في الغالب متأثرون بنمط أو آخر من أنماط الانحراف داخل الأسرة، وقد يتمثل ذلك في كون الأب سكيرًا أو مدمنًا للمخدرات.

أنماط التعاطي

في عام 2006 تم عمل دراسة، وجاء مخدر الهيروين كأول مخدر يتعاطاه المبحوثون بنسبة 55%، والحشيش في المرتبة الثانية بنسبة 30%، والأفيون في المرتبة الثالثة بنسبة 10%، والحبوب بنسبة5%.

وهو أمر يؤكد أن ارتفاع نسبة المتعاطين لمخدر الهيروين مؤشر خطير بالتوجه لتجربة هذا النوع القاتل من المخدرات الذي في الغالب يدمن عليه الشخص من خلال تناول الجرعات الأولى منه.

دبي ـ محمد زاهر