قال الشيخ: حديثي اليوم لمن أدرك وآمن أنه ما من بلاء أو مصاب يحيط بفرد أو جماعة إلا وكان بسبب إثم ارتكبناه أو عزيمة فرطنا بها، ذلك أن الله وحده يقبض ويبسط ويعطي ويمنع ويضر وينفع، أما من لا يرى ما نراه فما أظن انه سيفيد من كلامنا نسأل الله الهداية.
وأول ما قد يكون سببا عاما للبلاء هو الجهل بدين الله وأولويات الأوامر والنواهي فيه، ذلك أن الجاهل من شأنه أن يحسن الظن بنفسه ويرى نفسه وقد أتم ما عليه وهو يخوض في التقصير والآثام ولا يدري، وقد صار الجهل بدين الله ظاهرة عامة سيما في الأجيال الجديدة التي نراها تشب أمامنا دون أن تتاح لها فرص التعليم والتربية والتوجيه والتسديد، والجهل أصله عدم الاهتمام واللامبالاة واللا اكتراث وهي مقدمات عظيمة لابتلاءات عظيمة.
اذ كيف لا تبالي كثير من الأسر بتعليم أولادها أصول العقيدة والتوحيد وأركان الإسلام والإيمان وفقه الأوامر والنواهي وسيرة الرسول الأعظم وصحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان، ثم ننتظر ان يكفينا الحق شر البلاء. فالعلم هو مفتاح الإقبال على الله على الوجه الصحيح المطلوب، ونحن قد فرطنا بهذا أشد تفريط كسلا أو إهمالا أو عدم اهتمام، وفي كل الأحوال فنحن لم نقدر الله حق قدره ولم نفهم الغاية من وجودنا في هذه الحياة الدنيا.
والمصاب عظيم عندما تنشغل أكثر الأمة عن تعلم دينها والتعرف إلى رسالتها والتعلق برموزها وقدواتها والتمسك بهويتها وخصوصيتها وتستعير فلسفات الغير ومعاني الوجود من عندهم، وتنهمك في عمارة الدنيا الزائلة حيث أكثر شبابنا اليوم منهمكون في تحصيل العلوم الدنيوية التي قد تكفل لهم - وقد لا تكفل - حياة هانئة لثلاثين أو أربعين سنة من عمر هذه الدنيا الفانية.
وهم لا يتعلمون أبجدية دينهم وقيمه وأخلاقه وأحكامه وتصوراته، وليتنا قد أفلحنا في دنيانا فقد خسرنا الدنيا والآخرة وتحولت حياتنا إلى صراعات مقلقة ومتوترة من أجل لقمة العيش، وصار الواحد منا يظن عندما يعود من عمله إلى بيته انه قام بكل ما عليه، وها هو الدين يسير باتجاه أن يصير غريبا كما بدا غريبا ويا هنيئا للقلة القليلة من الغرباء.
ثم انه لما جهلنا ديننا سقطت مناعتنا وصرنا صرعى الأجواء المادية والشهوانية التي كرسها الغزو الثقافي والأخلاقي، وسقطنا جميعا تحت أقدام الأهواء والشهوات والغرائز المتفلتة والعادات المهلكة، فمن يمشي في شوارع أكثر البلاد العربية الإسلامية لا يرى شيئا من مظاهر الحياة الإسلامية وملامحها.. ولولا الأذان الذي يرتفع منبها للصلاة لما انتبه احد إلى أنه في بلد إسلامي!
وهذا يعني ان الأجيال الجديدة تعيش اليوم مصابين: الأول الغربة والجهل بدين الله، والثاني الاحتراق والانسحاق في أتون الحياة المادية التي لا تقف عند حد، فإذا كانت هذه مخرجات مجتمعاتنا ومؤسساتنا ما الذي سيكون عليه الحال بعد عشرين أو ثلاثين سنة؟ لقد بدلنا أيها الأحباب جلودنا جميعا ولم نحرص على انتمائنا وانتماء أولادنا إلى الإسلام، ألا يعني هذا منتهى الخسارة حتى في موازين التجارة؟
ثم نسأل ما أسباب هذه الابتلاءات التي تحيط بنا! والله لو أحسنا النظر والتقدير لرأينا في خسارة الدين البلاء الأعظم والمصاب الأكبر، الدنيا زائلة وخسائرها مؤقتة وآلامها عابرة، ونحن لا نعمر آخرتنا ولا نلتفت إليها، ان هذا يجعلني أقول ان أول ما يجب ان يبدأ به في مواجهة البلاء هو الإقبال على تعلم دين الله والانتماء إليه والى رسالته وكل ما سوى ذلك طريق آخره سراب.
ماهر سقا أميني
