الزواج ليس مجرد علاقة بين طرفين، ولكنه رباط مقدس وصفه الله تعالى ب«الميثاق الغليظ»، وبالتالي فإن الزواج يعتبر مؤسسة عمادها المودة والرحمة بين الزوجين، وهو نواة لبناء مجتمع إسلامي سليم، ولكن يحدث في بعض الأحيان، وتحت تأثير بعض المشكلات بين الزوج وزوجته أن يقوم الزوج ب(ضرب) زوجته.. لكن التساؤل الآن: هل يجوز للزوجة أن تبادل زوجها الضرب؟!.

وكان الشيخ عبدالمحسن العبيكان عضو مجلس الشورى السعودي قد أصدر فتوى أجازت للزوجة ضرب زوجها إذا قام بضربها، وفي السطور القادمة نستطلع آراء علماء آخرين حول هذه القضية.

من بين هؤلاء العلماء د.عبدالله النجار ـ أستاذ الشريعة الإسلامية الذي يشير إلى أن المعاملة الحسنة يجب أن تكون هي أساس العلاقة بين الزوجين، وبالتالي لا يجب أن يقابل كل طرف إساءة الطرف الآخر بإساءة مثلها، ولكن بإحسان، حتى تستمر الحياة بينهما، والله تعالى يقول«ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم».

ويوضح النجار أنه في بعض الأحيان قد يلجأ الزوج لضرب زوجته تحت تأثير أي مشكلة تنشأ بينهما، مشيرًا إلى أن الضرب ليس ضربًا بالمعنى الكامل أي لا يكون من خلال عصا أو غيرها، وإنما يكون ضربًا خفيفًا، وغير مبرح، وهذا ما حدده الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث شريف له في حجة الوداع حيث قال: «فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح».

ويتعجب أستاذ الشريعة الإسلامية من الفتوى التي أجازت ضرب الزوجة لزوجها إذا قام بضربها، مؤكدًا أنه إذا أخذ بها فسوف تهدم بيوت وتشرد أسر.

موضحا أن المرأة إذا لم تتحمل ضرب زوجها، وأرادت أن تعترض عليه فهناك أكثر من وسيلة لذلك بعيدًا عن مبادلة زوجها الضرب فمن الممكن أن تقدم بشكايته إلى مجلس عرفي يعقده بعض أهل الخير للنظر فيما بينهما من مشكلات، وقد تلجأ إلى المحاكم لأخذ حقوقها من زوجها.

ويختلف د.أحمد كريمة ـ أستاذ الفقه المقارن مع الرأي السابق، مشيرًا إلى أنه من حق أي إنسان أن يدافع عن نفسه ضد أي اعتداء حتى لا يكون فريسة مستساغة للآخر، إعمالاً لقوله تعالى«فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم».

ويرى كريمة أنه عندما يلجأ أحد الزوجين إلى العنف ضد الطرف الآخر فإن ذلك يعني مولد حالة من العداء الشديد بينهما بديلاً عن المودة والرحمة التي تعد من أهم أهداف مؤسسة الزواج، حيث يقول تعالى«ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة».

طرق أخرى

أما د.منيع عبدالحليم العميد الأسبق بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، فيرى أنه حتى لو بالغ الزوج في (ضرب) زوجته فيجب ألا يكون ذلك سببًا في قيام الزوجة بضرب زوجها، مؤكدًا أن الأخذ بهذا الأمر قد يترتب عليه نتائج وخيمة أهمها هدم كثير من بيوت الزوجية، وتشريد آلاف الأطفال.

يوضح منيع أن ضرب الزوجة ليس الطريقة الوحيدة لتأديبها، وإنما هناك طرق أخرى يجب أن يتبعها الزوج، وهذه الطرق حددها الشرع حيث يقول تعالى «واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا».

وهذا يعني ـ والكلام لمنيع ـ انه إذا أظهرت الزوجة نشوزًا فعلى الزوج أن يقوم أولاً بوعظ زوجته فإذا استمرت في خطئها فعليه أن يهجرها في المضجع لمدة معينة يعلم من معاملته لها أنها كافية لتأديبها، فإذا لم ترجع عن خطئها فله أن يضربها ضربًا خفيفًا، غير مبرح، كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الوعظ والهجر

يؤكد د.عبدالفتاح إدريس ـ أستاذ الفقه المقارن أنه لم يأت نص يدل على جواز استعمال العنف من الرجل ضد المرأة أو العكس، مشيراً إلى أن ما تناوله الشرع هو الضرب الخفيف للزوجة، والذي يأتي في مرحلة تالية لمرحلتي الوعظ والهجر في المضاجع إذا أبدت الزوجة نشوزاً.

يطالب إدريس الأزواج بعدم ضرب زوجاتهم ضربًا مؤلمًا وعنيفًا مهما كانت الزوجة ناشزًا حتى لا يقع ما لا يحمد عقباه، مؤكدًا أن الطلاق رغم أنه أبغض الحلال، إلا أنه يكون أفضل كثيرًا من قيام أحد الطرفين بضرب الطرف الآخر.

ويبدي إدريس اندهاشه من الفتوى التي أجازت ضرب الزوجة لزوجها في حالة قيامه بضربها، مشيرًا إلى أن هذا الأمر لا يجوز الاجتهاد فيه من الأساس لأنه كان من الممكن أن يتناوله القرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلم أو الخلفاء من بعده، أو العلماء، وهو ما لم يحدث.

إلى هنا يشير د.مصطفى مراد ـ أستاذ العقيدة إلى ضرورة محافظة كل من الزوجين على مؤسسة الزواج بكل ما أوتي من قوة، ولا يسمحان للشيطان بأن يتسلل بينهما، ليفسد علاقاتهما ببعضهما البعض باعتبار أن رباط الزواج رباط مقدس عند الله تعالى، وهو من أعلى المواثيق مرتبة حيث يقول تعالى في كتابه الكريم «وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً * وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقًا غليظا».

يضيف مراد: عندما يتناول الشرع الضرب الخفيف للزوجة كان مقصودًا من وراء ذلك هو تعريفها بخطئها حتى لا تكرره مرة أخرى، وبالتالي فإن (الضرب) المبرح للزوجة منهي عنه.

ويؤكد مراد أنه لم يرد بالقرآن أو السنة ما يفيد بجواز ضرب الزوجة لزوجها إذا قام بضربها، مشيرًا إلى أن غير المقبول من الناحية الشرعية هو غير مقبول أيضا من الناحية الاجتماعية حيث إن ذلك قد يوجد حالة من التنافر بين الزوجين كفيلة بتحويل المودة والرحمة بينهما إلى حالة من العداء والمشاحنات التي لن يدفع ثمنها إلا الأبناء.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية