إذا كانت الحضارة الإسلامية قد أصابها الضعف منذ عهد بعيد؛ فليس معنى ذلك أنها انهارت تماما، أو أن دعائمها قد قوضت؛ فلا تزال هناك عناصر مهمة يمكن البناء عليها لتجديد هذه الحضارة، والفكر دائما هو القاطرة التي تقود عملية التغيير والتجديد المنشود، ونحن في سبيل التخاطب مع هذا الفكر وإعلائه نتحدث مع د.أحمد دويدار - إمام المركز الإسلامي بنيويورك وأستاذ الفقه الإسلامي.. وإلى تفاصيل الحوار:
الثقافة والفكر الإسلاميان ثريان بمعطياتهما، فماذا يعرف الغرب عنهما.. وهل الفكر الإسلامي في حاجة إلى التجديد؟ الغرب يعرف من الفكر الإسلامي ما نقله المستشرقون من خلال كتاباتهم، ومن خلال إقامة بعضهم في بلاد الإسلام، ومن المعروف أن في أسس هذه الدراسات الاستشراقية الكثير من المهنية والتخصصية، ولكن يشوبها أيضاً النقص في معرفة خلفيات الأحداث التي نقلوها أو الأشخاص الذين رووا عنهم مما كان يعطي انطباعا سلبيا في بعض الأحيان أو يسيء في أحيان أخرى، وأقصد بالتحديد موضوع الفتنة الكبرى التي حدثت بعد وفاة الرسول، أو الفتوحات الإسلامية، أو عصر تدوين السنة أو أفكارهم عن كتابة القرآن؛ ويرجع ذلك إلى نقص المصادر؛ فلم يكن عن عمد، ولكن عموما أستطيع أن أقول إنهم أسدوا خدمات إلى الفكر الإسلامي إما بتحريك الساكن أو الراكد، أو بإشارة العقل للبحث والدفاع، والفكر الإسلامي لا يحتاج إلى تجديد بقدر ما تحتاج العقلية الإسلامية لتجديد، لأن الأفكار تحرك من خلال العقل فإذا كان العقل جامداً فالفكر جامد أيضاً.
متى يتمكن المسلمون من تقديم أنفسهم بشكل جيد على الساحة الدولية؟
المسلمون في الغرب أكثر تنظيما من الذين يعيشون خارج دائرة الغرب، لا أتصور تكوين لوبي هناك إلا إذا كانت هناك مساندة من قبل الدول الإسلامية، وإلى الآن لا يوجد مشروع، ولم نسمع عن مشروع نجح بحسن التنظيم فقط، ففي الخارج هم يعيشون نجاحات فردية ذلك أنهم على مستوى التنظيم ينقصهم الكثير، وذلك يرجع للأسباب الآتية: اختلاف الثقافات، حيث أتى المسلمون من دول مختلفة، الانتماءات المذهبية المختلفة مما يصب في تكريس فكرة الاختلاف، عدم تخلص المسلم من طريقة المعيشة غير المنظمة التي كان يعيشها من قبل بسهولة، ولكن المسلم شأنه شأن أي كائن آخر في هذه الدنيا ما إن تتاح له فرصة المنظومة المتكاملة الناجحة في المجتمع حتى تجده أكثر إبداعًا وإنتاجًا ونجاحًا.
تزايدت أعداد الدعاة بشكل كبير في الفضائيات فهل ترى أن هناك صحوة إسلامية أم ماذا تعني هذه الزيادة؟
أقول - تحديداً - قد يكون هناك انتشار أكثر للأفكار، ولكن الصحوة في رأيي لها مدلولات أخرى، فمن الصحوة أن يتفق الشكل مع الجوهر، وأن يتفق الحجاب مع العفة الحقيقية للنفس، ومع العلم الديني للرجل والمرأة على السواء، ولكن الأشكال والأزياء التي يطلق عليها إسلامية بدون سلوك حقيقي راشد يدل على العلم والفهم لهذا الدين الحنيف؛ فذلك ليس بصحوة، وزيادة عدد الدعاة ليس بصحوة.. الصحوة أن يكون هناك منتج إسلامي يشترى من سكان العالم، ويشار إليه بالنفع والفائدة، والصحوة الحقيقية أن تتحول الاستثمارات للنهضة بالأمة في مجال العلم والتعليم بدلاً من استنساخ مدارس في كل أنحاء الدنيا ومحاكاتها بتقليد أعمى رغم أن هذه المدارس ما نجحت إلا لاعتمادها على المناهج العلمية الصحيحة، أما نحن فقد بعدنا عن إعمال العقل، ونسعى لترسيخ ثقافة الحفظ والتكرار فقط، والتي لا تنتج بدورها إبداعًا ولا تقدماً.
ما المطلوب من وجهة نظرك من الدول العربية والإسلامية لتدعيم دور المركز الإسلامي في نيويورك؟ وما دور المركز الإسلامي بالنسبة لخدمة الإسلام؟
دور هذه الدول هو تدعيم الجالية الإسلامية من خلال دعم الترجمة وليس الشرط هو إرسال معونات مالية، وإنما إرسال علماء مؤهلين بشرط الإقامة ومعرفة عادات هذه الدول حتى تكون فتواهم صائبة، والمركز الإسلامي دوره هو نشر الدين الصحيح، وإقامة جسور التواصل بين الأديان المختلفة إعمالاً لقوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وأيضاً شرح مبادئ الدين الصحيحة بعيدًا عن تسييس الآراء والمذاهب لخدمة جهود معينة.
كيف ترى الغزو الثقافي الغربي للمسلمين؟
لا توجد ثقافة جاهزة للغزو إلا إذا كانت ضعيفة.. العيب في المسلمين لا في الإسلام، لأن الله أكمل الدين والرسول r قال «اليوم أتممت لكم دينكم» إذن الخطأ لمن سمح بالاختراق، وأتباع هذا الدين هم الذين تقع عليهم مغبة هذا الاختراق، لأنهم سمحوا بالبعد عن المفيد العميق، ولابد أن يكون لنا دور إيجابي.
وفي أميركا جالية إسلامية لأن الفوارق تذوب والعنوان والسمة العامة يصبح للمسلم؛ فعلى هذا الأساس نقول إمكانية تجمع قيادة موحدة من مجموعة من الأصوات، وهناك بعض المؤسسات تحاول أن تؤسس لذلك، وهذا متاح.
الرأي العام الأميركي هل يمكن أن يتحول إلى احترامه للإسلام، وما آليات هذا التحول؟
أولاً، يجب أن يصبح المسلمون قوة محترمة، والقوى العملية والبحثية والثقافية هي الأهم للسيطرة على مقدراتهم وتقليل الاستيراد، وبالتالي يجلبون الاحترام لأنفسهم لأنه احترام قائم على القوى الراشدة، وثانيًا تصحيح وجهات النظر الخاطئة عن الأشياء سواء الثوابت أو المتغيرات.
ونحن لازلنا نكلم أنفسنا، وأتمنى أن تكون هناك نسخ إنجليزية للبرامج التلفزيونية، ومستعد لأن يكون لي دور فيها، وأقوم حاليًا بالإعداد لأحد البرامج، ويقدم على قناة النيل للأخبار، وهو بعنوان «بالتي هي أحسن» أناقش فيه فكرتين، وهما لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟، والأخرى تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى الجماهير عن الدين الإسلامي، ومنها قضايا التواكل والإيمان بالأساطير بدلاً من العلم والعقل.
الأسر المسلمة كيف تواجه عداء الغرب للإسلام، وهل تتأثر عقائدياً بهذا العداء؟
عندما يشعر الإنسان بالأمان فإن التراخي يتولد، أما الإحساس بالخطر فإنه يولد استنفار العزائم لمواجهة هذا الخطر، وهذا ما تشعر به الأسر، فإحساسها الدائم بالخطر يولد استنفارها للحفاظ على عقيدتها بعكسها في الدول الإسلامية حيث يشعر المسلمون بالأمن، ويصبح هو السائد والعادي فيحدث التراخي وبالتالي تجد هنا الأسر متحفزة دوماً للمزيد من الإسلام.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

