لم تكن تدرك أن عليها التأكد من الرحلة التي تسلكها ثيابها المستعملة، هي التي قررت الاستغناء عنها بعد دخول موسم الجرد. فأكوام الملابس أنستها بقية التفاصيل. المهم إيجاد مخرج من ذلك المأزق.. وفسح المجال أمام أسراب أخرى من الملابس.
الخادمة تتحين مواسم الجرد تلك بصبر فارغ. فالمدام لا تلقي إلا بالثياب الجديدة.. بعضها لم يلبس إلا مرات معدودة والبعض الآخر ما زال بالنمرة.. بالنسبة للخادمة التي لا تطلّع على عوالم الموضة والأناقة.. هو صيد ثمين حقاً. فهي أمام اختيارات محيّرة يصعب حسمها.. سيما وأنها تتحلى بنفس قوام المدام. ما يجعل الأمر موغلاً في الصعوبة..
قلق المرأة يضعها في مواجهة الصدف مرة أخرى .. ويلهمها مراقبة أدق التفاصيل التي تخبّئ ما يدور في الساحة الخلفية. تنتهي فصول الحكاية .. عندما تباغت المدام الخادمة مرتديةً ثيابها.. ملتقطةً صورا تذكارية في جهازها المحمول.. تثور حواء وتتذكر أن الماضي جزء منها. وأنوثة بهذه الخصوصية لا يمكن هدرها في محيط المنزل.. «ملعونة الوالدين إذا شافها ريلي لابسه ثيابي وحلت في عينه هالبشكاره؟ أصلاً منو سمح لها تلبس من ثيابي؟ أنا بتصدّق بهن على الفقراء.. كيف تمد يدها عليهن؟ لا والأخت متصوره بعد! اليوم ثيابي وباجر عطوري».
إجراءات رادعة وأخرى احترازية يلقى بها على كاهل الخادمة وينتهي الموضوع. ولكن! تحوم أسراب الشكوك حول نوايا الخادمة من جديد. أتراها تنتهك حرمة ثياب المدام -التي مازالت ترتديها - وتلتقط المزيد من الصور؟. هل تجرؤ على ارتدائها في غياب المدام أمام الأرباب؟. الحذر يطرح تساؤلاته دائماً ليغرق المرأة في وحل الشكوك. هو دورها الذي تبرع في أدائه.. مهما كانت العواقب.. ولا بد من الاتعاظ من تجربة إحدى النساء التي خسرت زوجها بسلوكيات مشابهة .. ولأن تجارب النساء يتم تناقلها حرفياً.. فالوقاية بالتأكيد خير من العلاج..
امتداد
في ذاكرة المرأة.. الملابس المستعملة جزء من الماضي.. بلحظاته وذكرياته.. التي لا تؤرخها سوى الصور المختزنة في دواليب الذاكرة. لأن الموضة شيء متجدد والجمال كذلك.. بينما في عرف التقاليد والموروث الشعبي.. -إذا ما أحصينا الأقاويل-.. فرضيتان.. في الأولى يراها البعض جزءاً من الحاضر وامتداد لبني البشر أينما حلوا..
فهي البصمات التي تتواطأ مع الآخرين ليضرّوا به.. ويلحقوا به الأذى. فقد تكون مصدراً لأن يسحرك الآخرون.. أو بالمحلي «يسوولك سوا».. وكما يعتقدون أنه في ثيابك غير المغسولة بالذات يسهل الوصول إليك.. والإضرار بك. وما أكثر النماذج التي يتم تداول صورها عبر الشبكة العنكبوتية.
أما الفرضية الأخرى.. فهي تلعب على وتر القيم الاجتماعية المستقاة من مبادئ الدين الإسلامي. فإذا استغنيت عن ثيابك عليك أن تتصدق بها لمن هم لا يعرفونك. منعاً للإحراج أو إلحاق الصدقة بالمن والأذى.. أما في السنة النبوية فالأولى إعطاء الثياب لمستحقيها. وجاء في الحديث الشريف (ما من مسلم كسا مسلمًا ثوبًا إلا كان في حفظٍ من الله ما دام منه عليه) رواه الترمذي.
موروث
مادام الحديث دائراً في فلك أشيائنا التي استغنينا عنها.. فلا بد من الوقوف أمام هذه الظاهرة . في عادةً يومية .. تستعد لرحلة تمشيط شعرها.. تستلُّ مرآة مستديرة تختبئ تحت ثيابها المعدودات في دولاب خشبي تختلط فيه رائحة الخشب والعطور المعتّقة.. على مهل .. تغرق يديها في زيت الشعر وتمسح به على رأسها في محاولة لصون عفاف الأنوثة حتى في أراذل العمر .. والاهتمام بمظهر يفوح بعطور الزمن.
تلك طقوس يومية .. تنهيها الجدات بحفنة من الشعر الرمادي المتساقط .. الذي يختبئ في كيس البلاستيك .. ويعود إلى الدولاب مجدداً.. ذلك السلوك كان ولا يزال مثار تساؤلات. والحل في رحلة موسمية إلى شاطئ البحر .. لدفن الشعر المتساقط .. أو إلى الصحراء ليختبئ تحت جذور النخلة. تبرر الجدات ذلك السلوك باعتبار الشعر جزءاً من المرأة حتى وإن تساقط .. فإنها مساءلة عنه.. فيجب دسُّه عن الغرباء..
إلى أين يصل جذر تلك الحكمة؟ وكيف تُؤول اليوم في ظل هذا العدد الهائل من الصالونات النسائية التي تتسابق لنيل شرف اقتناء الشعر الطبيعي بعد أن استغنت عنه الصبايا لصنع أجود أنواع «الباروكات». آهٍ لو تدري الجدات.
اليوم تكاد تلك الطقوس تنحسر.. وتأخذ في طريقها كل حكمة أو ضلالة، ولكن من المؤكد أن أشياءنا المستعملة هي جزء منّا، حتى وإن استغنينا عنها. أو غادرتنا لانقضاء دورة حياتها. وبين الموروث والمألوف والمكتسب هناك حتماً خيط رفيع يحدد طريقة تخلصنا من أشيائنا .. فهي مؤشرات نفسية للخصوصية والحذر والخوف من العقاب وبين كل ذلك يكمن السر. أو كما قال راعي المسج «تدري وش اللي عكّر الجو فيني .. أحدٍ تعطر بعطرك وجاني»...
أمل الفلاسي
