يُتهم الإعلام العربي بمختلف وسائطه المقروءة والمرئية والمسموعة بالإخفاق في التعامل مع الأزمات والأحداث الكبرى يصل أحياناً إلى تضليل الرأي العام العربي وانقسامه في أسوأ الأحوال. كما حدث في العدوان الأخير على غزه. فاتُهمت بعض وسائل الإعلام بنقل وقائع مغايرة للواقع بينما ذهب البعض لتشبيهها بحرب إعلامية لما لعبته وسائل الإعلام من دور محوري في مسرح الأحداث.

بالرغم من الاتهامات التي تحاصره فإن الإعلام العربي يشهد تطوراً ملحوظاً في الأدوات والوسائل والكوادر. ولكن في ظل هذا الكم الهائل من الفضائيات والصحف العربية لابد من وقفة لقراءة أسباب الإخفاق والمضي نحو صورة أكثر وضوحاً للمشهد الإعلامي العربي. على هامش منتدى الإعلام العربي في دورته الثامنة التقت «البيان» عدداً من الإعلاميين وأصحاب القرار في مؤسسات إعلامية عربية لإلقاء الضوء على أداء الإعلام العربي في الأزمات. الرأي الخليجي يبدو أكثر تشاؤماً وحده، محمد السنعوسي، وزير الإعلام الكويتي الأسبق اعتبر أن الإخفاق ليس إعلامياً فقط.

هي موصولة بالإخفاق الاقتصادي الراهن في العالم. مضيفاً «في رأيي العالم العربي لا يتعرف إلى مفهوم «إدارة حل الأزمات». وكانت الأزمات في كل مرة تشكل مفاجأة يتم التصدي لها بالبحث عن حلول. بعضها لم يكن موفقاً وبعضها الآخر جاء متأخراً. هذا يشبه تماماً الجانب الإبداعي والخبرات العربية التي لم تصل بعد إلى المستوى العالمي».

ويرى السنعوسي ضرورة بالاستعانة بمن هم أكثر خبرةً بعيداً عن المكابرة. ويعتبر أن الإعلامي محظوظ جداً في العالم العربي إذا وجد في موقع يُسمح له بنقل الخبر وتغطية الحدث. مشيراً إلى وجود محاذير في بعض الدول لا يمكن تخطّيها.

وكذلك بالنسبة للرقابة. مشيراً في الوقت ذاته هناك انفتاح وحرية في العالم الغربي. واعتبر أن على الإعلامي نقل الخبر بدقة وشفافية مطلقة وحيادية. بينما المساهمة في تحريك الحدث وتغيير مساره رهن بسقف الحرية المتاح ومدى انفتاح سياسة المؤسسة الإعلامية، وكلاهما مؤشر قوي للإبداع متى ما توافرا.

سياسات الصحف

بنبرة أقل تشاؤماً اعتبر جهاد الخازن «كاتب بجريدة الحياة» أنه لا يمكن تعميم فكرة أو مقولة إخفاق الإعلام العربي في تغطية ومتابعة الأزمات. فالصحافة العربية ممتدة من المحيط إلى الخليج. وكل بلد يسلط الضوء على أحداث مختلفة.

منها من يكيل جل اهتمامه على الأزمة الاقتصادية. وبلدان أخرى تركز على القضية الفلسطينية أو الحرب الأهلية في دارفور وذلك مرتبط بعوامل عدة لعل أهمها ارتباطها الجغرافي بها. وهناك قضايا قومية مثل القضية الفلسطينية أو أفغانستان وباكستان.

وقال الخازن إن التوجه في ذلك محكوم بسياسات الصحف والوسائل الإعلامية. فبعضها ليبرالي والآخر محافظ وبعضها علماني. وبعضها مملوك من قبل أحزاب أو حكومات أو قطاع خاص. والملاحظ في بعضها أن طريقة تعاطيها مع الخبر تعكس وبشكل واضح رغبات وميول أصحابها بعيداً عن محتوى الخبر. ويضيف « بعض الصحافيين يعبرون عن مواقف ويجيرون التغطية الخبرية لخدمة هذا الموقف.

وذلك يعكس التباين في طريقة نقل الأخبار وبالتالي انقسام الآراء حولها».

أما فيما يتعلق بالأزمة المالية العالمية فيشير الخازن إلى عدد من المؤشرات التي سبقتها ولكن ليس بالواقع الذي شكل مفاجأة للجميع. وحول طريقة تعاطي وسائل الإعلام العربية مع الأزمة الاقتصادية أشار إلى أنه ذلك محكوم بمدى تأثرها بها. فدولة مثل سوريا كانت تحت تأثير المقاطعة، وتُعد خارج الاقتصاد العالمي. لذا لم تُبد أي تأثر بالأزمة. واعتبر أن هناك تراجعا عربيا عاما في الأداء السياسي وكذلك الأمر بالنسبة للإعلام.

انعكاس لحال الشعوب العربية

عثمان العمير «رئيس تحرير إيلاف الإلكترونية» اعتبره انعكاساً لحال الشعوب العربية، ففي رأيه أن الشعوب العربية معروف عنها الإخفاق في مواجهة الأزمات، فكيف يمكن للإعلام الذي هو جزء لا يتجزأ من الشعوب العربية ألا يخفق في مواجهة الأزمات؟

مشيراً إلى أن السبب يتثمل في فقد إمكانيات التدريب الحقيقي للصحافي والإعلامي العربي. ويضيف «علينا الاستفادة من كل الخبرات التي سبقتنا في الإعلام والصحافة. الشرط هو الاستفادة من القدرات الجيدة، وليس كل ما يُرمى إلينا من الخارج كذلك. أتكلم عن خبرات تأتي بها الأجهزة الإعلامية لكي تنهض بالصحيفة.

في أوروبا مثلاُ لم تحل جنسية الخبرات الإعلامية عن امتلاك الصحف أو تسييرها أو العمل بها. ولكن يجب أن تكون الخبرات التي تأتي لتُعلم وليس لتتعلم وتُجربء.

وحول اكتفاء الإعلام العربي بدور ناقل الخبر أشار العمير إلى أن صناعة الخبر تحتاج إلى شروط معينة لكي يتحول الصحافي أو الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية إلى صانع للخبر.

الظروف السياسية

حسام السكري «رئيس شبكة بي بي سي العربية» أكد أن السنوات القليلة الماضية شهدت تطوراً متسارعاً للإعلام العربي فيما يتعلق بالتعددية المتاحة، وإمكانية وصول الوسائل الإعلامية لمختلف الزوايا الفكرية خلافاً لما كان عليه الحال سابقاً، قائلاً «الجمهور العربي اليوم يتمنى من وسائل الإعلام العربية تحقيق طموحه عبر طريقة عرضه وتناوله».

ويرى السكري أن إعلام الأزمات محكوم بالظروف السياسية لكل دولة، والتمويلية لكل مؤسسة إعلامية وحتى بالظروف الشخصية لكل إعلامي وطموحاته وموقعه وحجمه وخبرته. لكن في النهاية الصورة أصبحت أكثر تنوعاً مما كانت عليه. المشاهد والمتلقي أضحى أكثر إدراكاً ووعياً وفهماً ويستطيع تصنيف ما يقدّم إليه.

معتبراً أنه لم يعد هناك احتكار لتقديم صورة واحدة. فالتنوع يشمل طريقة تناول الأحداث إلى جانب نوعيتها. إلى جانب طرق الاتجاهات المتباينة للوسائل المختلفة والدول التي تمول هذه المؤسسات الإعلامية. بالإضافة إلى الحرية التي يتمتع بها المتلقي للحصول على التغطيات الإخبارية ونقل المعلومات. فلم يعد هناك احتكاراً للمصادر مقارنةً بما كان عليه الحال سابقاً.

أما فيما يتعلق بقدرة الإعلام على تحريك الأحداث وعدم الاكتفاء بنقلها أجاب السكري «الإعلام جزء من منظومة كبيرة يدخلها رأي عام ووسائل أخرى لنقل المعلومات والأخبار. كما تضم أفراداً نشطين وأصحاب قضايا يرغبون في طرحها، ولديهم وسائل يتمكنون عبرها من نقل آرائهم أو زوايا تخفى على المتلقي، المنظومة أوسع من اقتصارها على وسيلة إعلامية واحدة أو مصدر أو دولة. لقد اتسعت لتشمل الرأي العام العربي والعالمي. وأصحاب القضايا والمواقف».

إخفاق الإعلام العربي

برأي أكثر إيجابية عبر سيف محمد الشريف المدير العام لجريدة الدستور الأردنية «لا أتفق كثيراً مع الرأي القائل بإخفاق الإعلام العربي في تغطية الأزمات، وذلك لأن هناك جهودا كبيرة يبذلها الإعلاميون والصحافيون فيما يتعلق بمواكبة الأحداث. فقد ذهب أحدهم لتشبيه الحرب الأخيرة على غزة بأنها حرب إعلامية.

وذلك لما لعبته بعض وسائل الإعلام في نقل صور مغايرة لما يحدث على الواقع. مما يدل على أهمية الإعلام ودروه الكبير في التأثير على الرأي العام. ولكني لا أدعي بأن الإعلام العربي وصل إلى مرحلة تشعرنا بالرضا. ولكني أقارن بين وضعه قبل ربع قرن وبين وضعه الراهن».

مشيراً إلى أن هناك قفزة في الوسائل التكنولوجية الحديثة وفي طرق تدريب الصحافيين في ظل وجود اتحادي الصحافة الدولية والعربية وغيرها. وأكد أن الإعلام العربي لا يعد متأخراً ولكنه أيضاً ليس في المقدمة.

لأن العولمة وضعت الصحافي العربي في مقارنة مع العالمي، معترفاً بوجود فجوة يمكن من خلال هذه التظاهرات الإعلامية ردمها وإعادة التواصل.

كما أكد أن مهمة الصحيفة الأولى تكمن في نقل الخبر بصدق وشفافية وأمانة. بينما تترك مسألة الحكم على الأحداث للقارئ. وأضاف «لا أرى أن مهمة الإعلام توجيه الرأي العام. لأن ذلك في الأنظمة الشمولية كالاشتراكية والشيوعية. ودور الإعلام هو نقل الحقيقة للمواطن ومنحه حرية اختيار الموقف وتكوين الرأي».

تفاوت المستويات المهنية

وصف حسين عبدالغني - مدير مكتب قناة الجزيرة في القاهرة الوضع بأنه تفاوت في المستويات المهنية، وليس إخفاقاً. حيث قال «لست متأكداً بأنه إخفاق في أداء وسائل الإعلام، أعتقد أنه تفاوت في مستويات التعامل مع الأزمات. محكوم بأمرين. الأول يتمثل في سقف الحرية للمؤسسة الإعلامية ، والثاني يكمن في الإمكانيات المهنية المتاحة أمام طاقم العمل».

مفصلاً بأن يتم الاستعانة بصحافيين مهنيين قطعوا شوطاً من خلال العمل والتدريب في مؤسسات دولية. يدركون جيداً الفرق بين مختلف فنون العمل الإعلامي كالتحقيق والتقرير والتوثيق ملمين بالتفاصيل الدقيقة للعمل ويتحملون مسؤوليته. الذين لا يمكن مساواتهم بالمبتدئين الذين يمارسون أخطاءهم على مرأى ومسمع المشاهد والمستمع والقارئ.

يسير بالاتجاه الصحيح

أما د. نبيل الخطيب رئيس تحرير الأخبار في قناة العربية فيرى أن الإعلام العربي متهمُ من قبل من يرغبون بجلد الذات. لا يمكن للإعلام أن يقوى في مهده. بحيث لا يتجاوز عمر الإعلام العربي المعاصر العشرين عاماً. مؤكداً أنه يسير بالاتجاه الصحيح.

ولفت الخطيب إلى أنه بالرغم من الإخفاقات فإن الإعلام العربي يسير في الاتجاه الصحيح. فالأحداث الكبرى مثل حرب غزه تم نقلها للعالم عبر وسائل الإعلام العربية، لأن الإعلام الغربي لم يسمح له بالتواجد في موقع الحدث من قبل الاحتلال الإسرائيلي. ويعتبر تغطية وسائل الإعلام لحرب غزه ناجحة كونها كانت بحجم الحدث.

أما فيما يتعلق بتحريك الأحداث وصناعتها يؤكد الخطيب أن الإعلام العربي نجح في إعطاء المعلومة الكافية عن حدث مثل الحرب على غزه، بينما أخفق في تغطية توابع الأزمة المالية العالمية. قائلاً «تلك المهمة تتطلب توفر إعلاميين اقتصاديين على دراية كاملة بالحدث وفي الوقت ذاته قادرين على توصيل الخبر الاقتصادي بطريقة جاذبة ومبسطة كون المتضررين من الأزمة الاقتصادية هم من غير المختصين بالشؤون الاقتصادية».

مؤكداً أن ذلك الأمر لا يزال يشكل تحدياً في الإعلام، في ظل عدم وجود خبرة في الصحافة الاقتصادية التي ظهرت مؤخراً. إلى جانب قضية أخرى تتمثل في كيفية تحويل الخبر إلى معلومة مسلية وتقديمها للجمهور في قالب جاذب.

استطلاع ـ أمل الفلاسي