أثار الخبير الأميركي في الصحافة الاستقصائية سيمور هيرش خلال كلمته الافتتاحية لليوم الثاني لأعمال منتدى الإعلام العربي في دورته الثامنة في دبي، العديد من القضايا والنقاط المثيرة للجدل حيث حمل بشدة على إدارة «بوش ـ تشيني» ووصفها بأنها كانت عنصرية بشكل واضح، ولم تنجح في المهمة الملقاة على عاتقها، مما أدى إلى خلق حالة من الإحباط لدى الشعب الأميركي والصحافة الأميركية وفقد الأميركيين لمصداقيتهم في العالم.

واستهل هيرش كلمته خلال الجلسة الافتتاحية التي حضرها سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس مجلس إدارة هيئة دبي للثقافة والفنون، وأدارتها نجلاء العوضي نائب الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للإعلام، بالإشارة إلى أن دبي استطاعت عبر ما حققته من إنجازات أن تتحول إلى مركز عالمي ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، وإنما على أصعدة أخرى عدة لدرجة أن بعض الصحف الأجنبية لم تستوعب ما حققته دبي من نجاح واستغلت الأزمة الاقتصادية لتهاجمها بدون مبرر. كما اعتبر هيرش أن ما يحدث في العالم العربي من تطورات سريعة على المستوى الإعلامي والسياسي هي من الأشياء التي تثلج الصدر، خاصة أن الصحافة العربية أصبحت تتمتع بوضع أفضل وهو الأمر الذي ينبغي إجراء المزيد من الحوار بشأنه، وتطرق هيرش في ذات الوقت إلى ما صرح به الرئيس الأميركي باراك أوباما عقب انتخابه حيث تحدث عن أشياء رائعة حول الاحترام المتبادل والجمهورية الإسلامية الإيرانية وضرورة التعامل معها باحترام، معتبراً أن الأفعال التي تصدق على هذه الأقوال ليست على ذات المستوى ولكنه قال من المهم إمهاله فترة كافية لبرهنة تلك الأقوال وترجمتها واقعيا.

وقال إن الرئيس أوباما يرتكب خطأ فادحاً في أفغانستان حيث إن هذه الحرب لا يمكن كسبها من خلال نوعية الحرب التي نخوضها معتمدين على القصف والقوة المفرطة، وقد أرسل 21 ألف جندي إلى أفغانستان فيما عززت طالبان قواتها بـ 17 ألف عنصر آخرين، وبذلك فإن أوباما يقع في ذات الفخ الذي وقع فيه بوش وهو بذلك في اتجاهه إلى الجحيم، وهو الأمر ذاته الذي يحدث في باكستان حالياً. أما بخصوص العراق، فقال هيرش إن العراق على حافة حرب عرقية جديدة.

تطورات العالم العربي

وحول وجهة نظره بشأن العالم العربي والتطورات التي يشهدها على صعيد تبني معايير الحكم الرشيد، أشار هيرش إلى أنه في زيارة له إلى مصر منذ عام التقى فيها مع محمد حسنين هيكل و70 صحافياً مصرياً بعضهم نساء وتم التطرق خلالها إلى العديد من القضايا والموضوعات المحلية موضحاً أنه أٌعجب بالتطور الكبير في تناولهم لهذه القضايا، كما قام بزيارة مشابهة لسوريا منذ سنتين وأخرى منذ ستة أشهر حيث لاحظ الكثير من التغيرات، معتبراً أن ذلك أمر طبيعي حيث لا يمكن إيقاف تدفق المعلومات.

وقال إنه خلال الأعوام الخمسة عشر السابقة حدث تطور هائل في الإعلام العربي وهذا المنتدى دليل واضح على هذا التطور، كما أن الإعلام العربي يقترب من النموذج الغربي، وسيكون هناك مزيد من الانفتاح والشفافية، وعلى القادة في العالم العربي أن يكونوا أكثر تفهما وتقبلا للنقد، مشيداً بالدور الذي لعبته فضائية الجزيرة باللغة الإنجليزية في نقل الحرب الإسرائيلية على غزة، وكذلك الشعبية الكبيرة التي تتمتع بها صحيفة «ذا ناشيونال» في أبوظبي، بالإضافة إلى «الإنترنت» التي غيرت أسلوب نقل المعلومات والحصول عليها.

وأضاف إن العالم الآن أصبح يطلع على المعلومات والأخبار على مدار الساعة في مختلف أوقات اليوم من خلال وسائل الاتصال الحديثة. ولم يعد بالإمكان أن تحدث أشياء كما كان يحدث في الماضي دون أن يعرف بها أحد، فهناك الآن الكثير من المراقبين والكاميرات في كل مكان، وما يحدث في منطقة وادي سوات الباكستانية نطلع عليه على الفور بالرغم من قيام السلطات هناك بمصادرة الهواتف النقالة من الناس لمنعهم من التواصل ونقل الأخبار والمعلومات.

وقال هيرش إنه فاز بجوائز كثيرة في أوروبا أكثر منها في أميركا حيث كان الإعلام يخشى بوش ولم يكن موضوعيا في التغطيات الخاصة به.

وقام كذلك بكتابة موضوعات مهمة ل«النيويورك تايمز» حول انتهاكات الاستخبارات الأميركية، والكثير من المقالات التي انتقدت إدارة بوش في العديد من المناسبات. وانتقد أخبار الشبكات التلفزيونية في أميركا، مشيراً إلى أن هناك الآن تفهما جديدا للإعلام في أميركا مع حرصه على أن تظهر مقالاته بشكل دوري على «الإنترنت» التي ستحدث تحولا هائلا. معتبراً أن دبي حققت تقدماً كبيراً على صعيد تبني التكنولوجيا الحديثة.

واعتبر هيرش أن المشكلة التي تواجه المدونات والإنترنت هي ضعف المعايير أو غيابها ولكنها ستتطور مع مرور الوقت، مشيراً إلى أن المدونات في مصر أفضل كثيرا من الصحف كما أن «هافينتنون بوست» تعتبر واحدة من أكبر المدونات في أميركا يتصفحها حوالي 26 مليون زائر، قائلاً إن «الخيول انطلقت من زمامها ولا يمكن توقيفها.

فالإنترنت تساعدني في الوصول إلى مختلف صحف العالم في ثوان معدودة». مشيراً كذلك إلى أن هناك صحف ورقية تموت بسبب التقنية الجديدة إلا أنه مازال متفائلاً بمستقبل الصحافة الورقية.

وفي رده على سؤال حول معاملة الأميركيين للصحافة العربية خصوصا في العراق، وتناولهم لما حدث من قيام الصحافي العراقي منتظر الزيدي بإلقاء حذائه على الرئيس بوش، قال إنه استمتع شخصياً بهذا المشهد، إلا أن هناك شعورا عاما بالأسى..

فلا يريد أن يشاهد الأميركيون رئيسهم يضرب بالحذاء، موضحاً أن هناك احتراما وتقدير للشعب الأميركي ولكنه مشوبا بقدر من الغضب حول الإدارة الأميركية وأسلوبها، ملمحاً في ذات الوقت إلى أنه في العالم العربي لا يوجد حرية كاملة لمناقشة الأمور السياسية ولكن هناك اهتمام بالموضوعات الاجتماعية التي توضح فشل الأنظمة في توفير حياة كريمة لشعوبها. وأضاف هيرش أنه لا يوجد نظام فريق العمل في العالم العربي وهناك قصور للتعامل بشكل منسق ومتكامل.

وأشار كذلك إلى أن مثل هذه المنتديات تساعد الغرب في تعلم الكثير حول العالم العربي، والمنتدى الإعلامي دليل جيد على هذا التطور الإيجابي في العالم العربي، موضحاً أنه بسبب قصور الموارد المالية تقلص الصحف الغربية مراسليها الخارجيين. ولكن في المقابل هناك قدر رائع من التغطية يخرج من هذا الجزء من العالم.

وهناك انطباع لدى الأميركيين أننا نعرف صالحكم أكثر منكم وقادرون على إدارة شؤونكم، ولكن إدارة أوباما تحاول تغيير ذلك ولكنه لم يمض في منصبه سوى أربعة أشهر ولابد من منحه الفرصة لإثبات ذلك، وهناك ضرورة حقيقية لتغيير ذلك الانطباع لأننا في الواقع نحن الأميركيين لا يمكن أن نعرف صالحكم أكثر منكم.

وقال إن محققي التقصي غير مرحب بهم حول العالم وهم ضيوف غير مرغوب فيهم على موائد صناع القرار، كما أن التعرض للاعتقال وارد حتى في أميركا ولكن إذا لم تقم بهذه المهمة فلن تتمكن من التغيير، ومصر مثال جيد على ذلك حيث تلعب الصحافة الاستقصائية دورا مهما في التغيير الاجتماعي هناك، وحقوق الإنسان دائما ستظل عرضة للامتهان خاصة على هذا الصعيد.

مضيفاً أن قيادات العالم العربي لابد أن تفهم أن النقد سيكون هناك دائما ولا يمكن تغيير ذلك، وأن هناك نظاما جديدا كاملا لا يمكن لأحد الحيلولة دون حدوثه وتطوره، ويبقى على الصحافي القيام بمهمته ورسالته سواء كان ذلك محل تقدير أو اتهام.

وأضاف أن هناك حقيقة نسبية دائما فإن موقف أوباما من أفغانستان هو مجرد جزء منه ولكنني أعلم أنه يرغب في التغيير الإيجابي، ولكن موقفه هناك لا يمكن أن يكون محلا للحكم عليه على المدى القريب، هو حاليا يحظى بشعبية جيدة وهناك العديد من التعليقات الجيدة حوله وحول خططه، ولكن من المهم أن نمهله وقتا.

الإعلام والوعي العام

وقال إن الإعلام لعب دورا كبيرا في الترويج لسياسات ومواقف الحكومات وساهم في تشكيل الوعي العام حول العديد من القضايا ذات الصلة. والإعلام الأميركي ساهم في تقديم أجيال من الأميركيين غير المتوازنين ممن يعانون من ازدواج واضح في شخصياتهم عبر الترويج لرسائل الإدارات الأميركية السابقة ذات المعايير المزدوجة.

نصيحة للإعلاميين

اختتم هيرش جلسته بتوجيه نصيحة للإعلاميين مفادها ضرورة الاطلاع والقراءة بغزارة قبل الكتابة، وقراءة التاريخ والتقارير السياسية والكثير من الموضوعات، مشيراً إلى أنه يعمل حاليا على موضوع عن باكستان وأحداث مومباي، والعلاقة بينهما وهناك العديد من المعلومات المتاحة عبر التغطيات الإعلامية.

مؤكداً أن هناك حاجة إلى تفهم العالم العربي والمعنى الحقيقي لكلمة الجهاد، وهو ما يحاول عمله من خلال العديد من القراءات حيث إن مهمة الصحافي التقصي حول الحقائق بأعلى قدر من الاحترافية والمسؤولية.