كانت محاولة للتمرد على روتين يومي، أو تنفساً يفتح ذراعيه لأبواب أخرى قد نعيش عمراً بأكمله ولن نُضطر لطرقها، تتواطأ الصدف أحياناً مع النوايا الطيبة، فتُمهد اللقاءات على عجل، التاسعة ودقيقتان كان الموعد عند موقف المواصلات العامة في منطقة الجميرا.. (أحد 1600 موقف حافلة تؤمنها هيئة الطرق والمواصلات ضمن شبكتها)، نظرة خاطفة على جدول سير الرحلة.

يقطعها وصول الحافلة عند التاسعة و7 دقائق صباحاً حيث كانت الانطلاقة، فالحافلة لا تنتظر! هي فقط تؤذن بالذهاب فكن على استعداد. كانت تلك دعوة لتغيير ثقافة المواصلات العامة لدى فئة كبيرة من قاطني دبي وضرورة لإعادة النظر في سلوك الأفراد حيال البيئة.

إذا كانت تلك رحلتك الأولى، عليك أن تتزود بالدراهم. حيث ستضطر عند ارتياد الحافلة إلى دفع مبلغ درهمين للحصول على التذكرة. درهمان فقط للوصول إلى الوجهة التي تقصد. باستثناء بعض الرحلات الطويلة إلى أطراف دبي. كالرحلة إلى محطة السبخة في منطقة حتا بسبعة دراهم. وأخرى من وسط المدينة إلى جبل علي بأربعة دراهم ونصف.

التجربة جديرة بالوصف. بينما نظرات الجالسين إلى «الصنف الوطني» في رحلة كهذه عصية على التفسير. ولأن الرزق أوفر في البواكير كان لا بد للقلم أن يصطاد في مياه الصباح المنعشة.

مزايا

في أول الحافلة مقطورة مخصصة للسيدات والأطفال. بمقاعد واسعة ومريحة. وإطلالة تقصّر عناء الرحلات الطويلة. ففي دبي ثمة جديد كل لحظة. على الطرقات.. في المباني وفي تفاصيل الازدحام.

هدير المكيفات كان مسيطراً على الدقائق الأولى. بينما ثرثرة النساء تباغت الهدوء وتستمر في السيطرة حتى النفس الأخير. ثرثرة بلغات مختلفة. الآسيوية والشرق آسيوية والإفريقية وأي شيء آخر غير العربية التي نفطنها.. الغالبية منهن ترتدي نظارات شمسية.. حتى يسترخي الجمال ويتمدد.. ونوبات الموضة المتشحة بعباءة الثقافة واضحة. أساور ذهب في اليدين والرجلين حلق في الأذن وآخر في الأنف.. كريم صباحي مرطب ومسحة ماكياج ضرورية.

أما الرجال فهم يستقبلون صباحاتهم عادة بالصمت. أو بغفوات خاطفة في رحلة الباص اليومية.. إنها المحطة الخامسة ومازال ذلك الراكب غارقاً في نومه. هو على ثقة بأن ساعته البيولوجية تمنحه قدراً من الزمن قبل الوصول إلى المحطة يقوم خلاله بتصفيف شعره.. واستعادة ذاكرته.

بحسب هيئة الطرق والمواصلات في دبي فإن المواصلات العامة تنقل حوالي 000 .250 راكباً في اليوم عبر 5500 رحلة يومية تقطع الحافلات خلالها 000 .168 كيلومتر.

النساء على قدر عال من الحذر. يحتضنّ حقائبهن ويحكمن الإغلاق عليها. حيث تُعد حافلات النقل العام أرضاً خصبة لعمليات «النشل» كما في الأفلام العربية. بينما الظروف هنا أكثر أماناً.

تسلك ليزا من الفلبين ذات الرحلة يومياً. من المحطة في الجميرا إلى موقع عملها في مركز ابن بطوطة «اعتدت على الرحلة ولم أعد أشعر بالوقت. لا أستطيع التنقل بالتاكسي الأمر مكلف لرحلة يومية. أعتقد أن الحافلة من أفضل وسائل التنقل التي رأيتها. استخدمها حتى في أيام الإجازات». تعود ليزا إلى غفوتها هروباً من ثرثرة جاراتها اللاتي لا تفطن لهن حديثاً.

انسجام

تنزلق الحافلة في شوارع دبي الجديدة بانسياب مذهل. وكأن هناك تآلفاً بين الشارع وعجلات الحافلة. إذا كانت رحلتك الأولى لا تخف من سرعة الحافلة. فالباص يتقن لغة الشوارع عندما تفسح له السيارات الطريق احتراماً لأكثر وسائل النقل شعبية.. وخوفاً من أي التهام مروري يلحقه الباص الضخم بالسيارات. تستخدم هيئة الطرق في حركة التنقل تلك 504 حافلات على شبكة تضم 62 خطاً داخلياً. بحيث تغطي الشبكة 110 .4 كيلومترات مربعة.

يقف الباص عند كل محطة بناءً على رغبة الركاب، الذين تم تزويد مقاعدهم بأزرار خضراء يستعينون بالضغط عليها عند الاقتراب من المحطة التي يودون النزول إليها. كما بوسع الركاب الحصول على المعلومات الخاصة بجداول الخدمة وفئات الأجرة وغير ذلك عن طريق الهاتف المجاني رقم (8009090).

الوجه الآخر

للأشياء وجوه غائبة في الازدحام.. أو مختبئة وراء ضجيج الحياة اليومية. لتلك الرحلة بعد حضاري.. وثقافي لا ندركه إلا في التجربة الأولى. فدبي تنضح بالتأمل الغارق في التفاصيل.

عبر الباص طرق منطقة الجميرا وصولاً إلى دبي الجديدة. ماراً بمحاذاة قرية دبي للمعرفة ومدينتي الإعلام والانترنت.. ملتقطاً آخر أنفاسه في مساكن «الجاردنز» بجبل علي برحلة استمرت 45 دقيقة. سائق الباص يجرد «كروة» الرحلة ويتأكد من خلو الحافلة.

الحركة بين المقاعد تثير استغراب السائق «إنت وين يسير؟» «يرجع جميرا».. «الحين ما في يرجع .. باص يسير أوفس.. إنت ينزل ستيشن».. حسناً النزول هذه المرة إجباري.

مرة أخرى، إن كانت المرة الأولى عليك التخطيط للعودة. لا مكان للمغامرات غير المحسوبة في منظومة دقيقة كشبكة المواصلات العامة في دبي. تاكسي المواصلات كان حاضراً في المحطة الأخيرة.. رحلة العودة إلى الجميرا كانت بذات مواصفات الرفاهية ولكن بفارق «طفيف».. حيث الذهاب بأربعة دراهم بينما الإياب بأربعين.

أمل الفلاسي