قال الله سبحانه وتعالى: «وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً» الفرقان 63،

وقَالَ رسول الله: «مَاتَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ» إن مِن عظيم الخصالِ والشيم التِي دَعَا إليهَا الإسلام، وأثْنَى علَى أهلِهَا بَالِغ الثناء وأوضح نتيجة عاقبتِها فِي الدنيا والآخرةِ، خصلة التواضعِ، التي هي من صفات الأنبياء عليهم السلام أجمعين والصالحين المتقين الذين يخشون الله عز وجل في السر والعلن ويتعاملون مع عباده على اختلاف طبقاتهم وشرائحهم على أحسن ما يكون من الخلق الكريم الذي من شأنه أن يرفع صاحبه إلى أعلى الدرجات سواء في الدنيا أو الآخرة باعتبار أنه الأدبٌ الرفيعٌ، والخلقٌ الشريفٌ، والنعمةٌ العظيمةٌ التي يتفضَّلُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ بِهَا علَى مَنْ يشاءُ مِنْ عبادِهِ ، فتكون سبباً في عُلُوِّ قَدْرٍه ومنزلته.

والتواضعُ هوَ خشوع وخضوع العبد بكل جوارحه للهِ سبحانه وتعالَى، قَالَ أحدُ الصالحينَ: «التَّوَاضُعُ أَنْ تَخْضَعَ لِلْحَقِّ وَتَنْقَادَ لَهُ، وَلَوْ سَمِعْتَهُ مِنْ صَبِيٍّ قَبلْتَهُ مِنْهُ». وأفضل التواضع أن تتواضع للهِ عز وجل باتباع أوامره والنهي عن نواهيه وأن تخضع وتتواضع لرسولِهِ الكريم باتباع سنته العطرة كما أن التواضع للوالدينِ، استجابةً لأمرِ اللهِ ومكافأةً لَهُمَا بأن ربياك صغيرا، قالَ سبحانَهُ وتعالَى: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا» الإسراء 23 24 وقالَ رَسُولُ اللَّهِ فِي التواضعِ للأمِّ: «الْزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الْجَنَّةُ».

»يا أيها الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ« ومِنَ أنماط التواضُعِ أنْ يتواضَعَ الرجلُ لإخوانِهِ المؤمنينَ استجابةً لأمْرِ اللهِ سبحانَهُ حيثُ يقولُ لنبيِّهِ : «واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين» الشعراء 215.

فعَلَى المسلمِ أنْ يكونَ مَعَ إخوانِهِ متواضعًا، ليس متكبرا لما منحه الله عز وجل من جاه أو سلطان أو ملك قوة بدنية بل يجب عليه أن يكون سمْحًا، رقيقا عذب الحديث، رفيقًا بِهمْ، قالَ: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنُكُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ».

وبَيَّنَ لنَا ربُّنَا سبحانَهُ صفةَ أوليائِهِ الذينَ يحبُّهُمْ ويُعْلِي شأنَهُمْ فِي الدنيَا والآخرةِ فقال تعالَى:يا أيُهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» المائدة 54.

ولقدْ ضرب الرسول أروع الآيات في التواضعِ، حيث يَمُرُّ علَى الصبيانِ فيُسَلِّم عليهِم، وتأخذ الأَمَةُ بيدِهِ فتنطلق بِهِ حيث شاءَت ، وفِي بيتِه كان فِي خدمَة أهلِه فإذَا حضرَتِ الصلاةُ قامَ، ولَمْ يكنْ ينتقِمُ لنفْسِهِ قطْ، ومَا ضربَ امرأةً ولاَ خادمًا، وكانَ يخصفُ نعلَهُ ، ويرقعُ ثوبَهُ ، ويحلبُ الشاةَ ، ويأكلُ معَ الخادمِ، ويجالسُ المساكينَ ويمشِي معَ الأرملَة واليتيمِ فِي حاجتَيْهِمَا، ويبدأُ مَنْ لَقِيَهُ بالسلامِ، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده: فقولوا عبد الله ورسوله» أخرجه البخاري.

ولقدْ عرف الكثير من أمة الرسول صلى الله عليه وسلم كيفية التواضع التي تعلموها من سيد المرسلين وإمام المتواضعين صلى الله عليه وسلم مؤمنين بأن الكبرياء والعظمة لله عز وجل وحده، فمنْهُمْ مَنْ لَمْ يأكلْ معَهُمَا خشيةَ أنْ تسبقَ يدُهُ إلَى طعامٍ يشتهيانِهِ، ومنهُمْ مَنْ لَمْ يرفَعْ بصرَهُ إليهِمَا أبدًا تواضعًا لهمَا، ومنهُمْ مَنْ يُقَبِّلُ رأسَ والديه ، ومنهم من يُقَبِّلُ يَدَ والديه.

أشرف محمد شبل