المسلم الموفق تجده في أي وقت نقي السريرة، طاهر القلب، حسن الكلام، مستقيماً في ظاهره وباطنه مراقباً ربه في سره وعلانيته، إذا تكلم كان كلامه في أمر ينفعه في دنياه وآخرته، وإذا سكت كان صمته تسبيحاً، لأنه يعيش مع خالقه بالكلية، ولذلك قيل على لسان عيسى عليه السلام: كل كلام ليس بذكر الله تعالى فهو لغو، وكل سكوت ليس بفكر فهو غفلة وكل نظر ليس بعبرة فهو لهو، فطوبى لمن كان كلامه ذكر الله تعالى وسكوته تفكراً ونظره عبرة.
والإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات ثم يحصد يوم القيامة ما زرع، ومن زرع خيراً من قول أو عمل حصد الكرامة ومن زرع شراً من قول أو عمل حصد غداً ندامة. والإنسان العاقل هو الذي يبذل جهده في حفظ اللسان حتى لا تصدر منه كلمة نابية تؤثر على علاقاته بالآخرين، إذ اللسان هو المورد للمرء موارد العطب، والصمت يكسب المحبة والوقار، ومن حفظ لسانه أراح نفسه، والرجوع من الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، والصمت منام العقل والمنطق يقظته.
ولله در القائل:
أقلل كلامك واستعذ من شره.. إن البلاء ببعضه مقرون
واحفظ لسانك واحتفظ من غيّه.. حتى يكون كأنه مسجون
قال تعالى: قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون. «المؤمنون 82، 03».
واللغو: كل ما لا فائدة فيه لا للجسم ولا للنفس ولا للروح ولا للعقل، والمؤمن لا يشغل وقته إلا بما يفيده في حياته العاجلة أو حياته القابلة.
والمسلم الحكيم: هو الذي يحفظ نفسه من خطر اللسان فلا يطلق العنان له كي يتكلم به في الخير والشر ولا يبيح لأذنيه السماع لكل محرم بل عليه أن يبتعد عن كل ذلك، ويعجب الإنسان من المسلمين الذين يمضون أوقاتهم في النهار أو في الليل على المقاهي حيث يكثر اللغط في الكلام والخوض في أعراض الناس بالإضافة إلى تسليتهم بالألعاب التي تضيع الوقت سدى والمسلم مطالب بحفظ لسانه حتى يكون عمله مقبولاً، ويا حبذا لو قضى وقته في ذكر الله وفي تلاوة القرآن أو سماعه أو التزم الصمت وأطلق العنان لفكره ينظر إلى جميل صنع الله في كونه وهذا شأن المسلم الحكيم الذي تراه هدائاً ثابتاً ساكناً، لا يتكلم الإ فيما هو مفيد ولا يتحرك إلا في نافع ولا يفكر إلا في منتج، يجدُّ في تحصيل رزقه وأهله وولده ليكف يده عن المسألة ويصون وجهه عن بذل مائه، ويجلب العزة والكرامة له ولأسرته.
روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة في القلب، وان أبعد الناس من الله تعالى القلب القاسي. «رواه الترمذي والبيهقي، وقال الترمذي حديث حسن غريب».
قال مالك بن أنس: كل شيء ينتفع بفضله «الزيادة» إلا الكلام فإن فضله يضر.
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: منصتٍ واع، أو متكلم عالم.
المسلم العاقل هو الذي لا يغالب الناس على كلامهم ولا يعترض عليهم فيه، لأن الكلام وإن كان في وقته خطوة جليلة فإن الصمت في وقته مرتبة عالية. فإذا كان في السوق مثلاً لشراء حاجاته واستمع لألفاظ نابية من قبل البائعين فلا يغضب ويرفع صوته بالكلام البذيء كي يحافظ على سمته ووقاره، والله عز وجل رفع جارحة اللسان على سائر الجوارح، فليس منها شيء أعظم أجراً منه إذا أطاع ولا أعظم ذنباً منه إذا جنى.
قال تعالى: إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفو عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً. «النساء 94».
والمسلم العاقل هو الذي يلزم الصمت إلى أن يلزمه التكلم، فما أكثر من ندم إذا نطق، وأقل من يندم إذا سكت وأطول الناس شقاء وأعظمهم بلاء من ابتلى بلسان مطلق وفؤاد مطبق.
قال بعض الحكماء: إن جسد ابن آدم ثلاثة أجزاء: فجزء منها قلبه، والثاني لسانه، والثالث الجوارح، وقد أكرم الله تعالى كل جزء بكرامة، فأكرم القلب بمعرفته وتوحيده، وأكرم اللسان بشهادة أن لا إله إلا الله وتلاوة كتابه، وأكرم الجوارح بالصلاة والصوم وسائر الطاعات، ووكل على كل جزء رقيباً وحفيظاً.
حامد واكد