قال الشيخ: إذا حددت المطلوبات وهو ما يريد المرء أن يحققه أو ما تريده الجماعات أو الأمم ،وإذا قدمت الآخرة على الدنيا باعتبار الآخرة هي خير وأبقى في حين أن الدنيا مهما صفت وخضعت فهي تبقى مكدرة وزائلة، وإذا أخذ الوعد والوعيد على أنهما قول وفصل وليس بالهزل، وإذا تعلق القلب بالله ذي الكمالات المطلقة المقدسة دون نقص أو ضعف أو حاجة، كان لابد من فهم العلاقة بين العبد والرب.

فالعبد موجود بايجاد ربه وإمداده في كل حركة ونفس وهو في حاجة إليه في كل شئ وفي كل لحظة، والرب غني عن خلقه وعباده، المتكبر في ذاته، وهو مع كل هذا يقبل على عبيده ليربحوا عليه لا ليربح عليهم وليمدهم بالعطاء والمدد ونعيم الدنيا والآخرة.

فقد خلق فيهم الفطرة التواقة إليه والعقل الذي إن أحسن استخدامه وفهمت مجالاته وحدوده واعمل في الخلق تدبرا واستبصارا وصل بنفسه الى توحيد الربوبية وتوحيد الالوهية، ثم أرسل لهم رسلا وأنبياء من أنفسهم مذكرين ومبشرين ومنذرين ومشرعين، ثم انه قد كتب سبحانه وتعالى على نفسه الرحمة فلا يسبق غضبه رحمته، وهو يمهل ويحلم على عبيده وهم يقترفون الآثام في حقه وحقهم، وهو يفرح بتوبتهم فرحا يليق بجلاله ويفيض عليهم من عطائه ووده وكرمه.

ولو ان الفطرة تركت لنفسها دون أن تغبش عليها الأهواء والشهوات لوصلت إلى الحق، ولو أن العقل ترك لنفسه دون أن يعطله أو ينحرف به جهل أو زيغ لوصل أيضا دون أن يضل، ولو أن دعوات الرسل تركت لتأخذ مداها دون مقاومة المعتدين ومحاربة الظالمين لانتشرت واستقرت، ثم إن في التاريخ وقصص الحياة الماضية والحاضرة ما فيه ألف دليل وألف إشارة وألف عبرة.. ومع كل هذا يخطئ ابن ادم ويغفر له الحق سبحانه وتعالى ويخطئ مرة أخرى ويغفر له مرة ومرات.. حتى إذا صدقت توبته واستقامت مسيرته كتب في الفالحين الفائزين.

وهنا لابد من الإشارة إلى ثلاثة محركات أو دوافع لو أحسن استغلالها واستثمارها لاستقام حال المرء وصفت دنياه وفاز في آخرته وصار من أحباب الرحمن ـ وهي رتبة يهون معها كل بلاء ـ هذه الدوافع أو المحركات هي الحب والخوف والقرف.

فالحب تعلق يسيطر على القلب والجوارح وهو مما فطر الإنسان عليه، والحب يسمو بسمو المحبوب ويكمل بكماله ويصفو ويرقى لقدسيته، وهل من محبوب أعظم وأكمل وأسمى من الله عز وجل الذي تعرف على عبيده بصفات جماله.. فهو الرحمن الرحيم، وهو الودود الكريم، وهو الصبور الحليم، وهو المعطي النافع، وهو الرزاق المغيث.

وهو الغفور الساتر ذو الجلال والإكرام، ومثل هذا المحبوب لا يقبل بأن يشرك في حبه احد.... ومن عاش هذه المعاني وأطل على شرفات هذه الصفات والأسماء الحسنى بالإقبال على الله بالذكر وتلاوة القرآن الكريم بعد أن يخلي قلبه من المتعلقات الوضيعة لا يمكن إلا أن يحب الله وتصفو كل حياته لهذا الحب وما يمليه من طاعة المحبوب.

والخوف توقع الألم أو الخطر يخطف القلب ويقبضه، ومن ذا الذي يخيف حق الخوف إلا الله العزيز الحكيم الذي لا يضر إلا هو ولا يمنع إلا هو ولا يقهر إلا هو و لا يميت إلا هو، فأرزاق العباد وآجالهم بيده وانشراح صدورهم وانقباضها بأمره وأفراحهم وأحزانهم بمشيئته، ومهما حذر من حذر وحرص من حرص فان ما يريده الله واقع وما يشاؤه نافذ فمن ذا الذي يقدر على سخطه وغضبه ومن ذا الذي يستطيع إن يقف في وجه كيده و مكره وهو كيد ومكر يليق بالعزيز الحكيم.

والقرف مما فطر الإنسان عليه ليكون ركوبا إلى الطهارة الحسية والمعنوية، وليرتقي الإنسان فوق مخاضات الأدناس في خبائث السلوك ودنيا الشهوات، فهوى الإنسان وشهواته إن تركا دون تهذيب وتربية كانا أعميين يقتاتان حتى على النجاسة والقذارة وهذا مما تعف عنه النفوس التي هديت وسددت إلى حب الطيبات والتعلق بها والإعراض عن الخبائث والعزوف منها.