هي أكبر شركة دواء موجودة في المنطقة، ورغم أن الأدوية التي تنتجها أدوية بسيطة مثل أدوية السعال والزكام والصداع، إلا أنها كانت تحقق الملايين من الدولارات، فقد منعت المدينة الموجودة فيها هذه الشركة قيام أي شركات أدوية منافسة لها حتى تستحوذ على السوق.
إلا أن الشركة أرادت أن تطور خططها الإنتاجية وكان الهدف من وراء ذلك إنتاج أدوية خاصة بعلاج أمراض مثل السرطان والايدز وغيرهما. ورأت الشركة أنها لو بقيت على خطها الإنتاجي من الأدوية البسيطة، فسيأتي الوقت الذي تضعف وتتلاشى من السوق، لذا كانت الخطة الجديدة في إنتاج أدوية ذات رواج عالمي. كلفت الشركة بعض المسؤولين بالقيام بدراسة جدوى لنوع الأدوية والعقاقير الطبية الأكثر مبيعاً في السوق، فكانت نتيجة الدراسة أن أكثر أنواع الأدوية هي (المنشطة للجسم)، حيث سجلت مبيعات وصلت إلى 100%.
وهذه النتيجة أفزعت المسؤولين عن الشركة لانتظارهم إلى هذا الوقت دون التنبيه إلى الأدوية والعقاقير المنشطة، فهذه العقاقير لا تكاد تصل إلى الصيدليات حتى تنتهي وتُباع في وقت قصير، بل إن الكثير من الشباب والرجال من كافة الأعمار يلجأون إليها حتى أولئك الذين لا يحتاجون إلى تناولها، إلا أنهم (يجرّبونها) رغبة في اكتشاف تأثيرها. وهنا برزت فكرة أخرى وهي ترك الأدوية التي تعالج السرطان والايدز والتركيز على إنتاج أدوية منشطة.
بدأت الشركة في البحث عن خبراء في مجال إنتاج هذه الأدوية، واتجهت إلى دولة في جنوب شرق آسيا، وفعلاً تم استقدام خبير في صناعة هذا النوع من الأدوية، وكان الاتفاق أن يحمل المنتج الجديد خصائص المنتجات الموجودة في السوق بالنسبة إلى السيدات أن تنفرد بالسوق في منطقتها، بل وفي السوق العالمي، فجميع الأدوية المنشطة الموجودة حالياً تخص الرجال فقط. وهنا كانت المفارقة، فالشركة تريد أن تكون متميزة في هذا الجانب.
بدأت عجلة الإنتاج في الدوران وكانت الخطة تقتضي إنتاج أدوية منشطة للرجال والنساء يعتمد معظمها على الأعشاب المستوردة من الدولة الآسيوية. بدأت خطة الإنتاج الجديدة على ثلاثة محاور، الأول إنتاج أدوية خاصة بالايدز وأخرى خاصة بالسرطان أما المحور الثالث فكان خاصاً بإنتاج الأدوية المنشطة للرجال والنساء.
وكانت التعليمات التي صدرت من المسؤولين في الشركة هو التركيز على المحور الثالث باعتباره المحور الذي سيغير مستقبل الشركة وخصصت الشركة ميزانية للدعاية لهذا المنتج وصلت إلى (5) ملايين دولار، ثم قامت بطبع بوسترات كبيرة جداً ووزعتها على الصيدليات كلها تدعو إلى التفاؤل وإلى حياة زوجية سعيدة.
كان شعار الحملة الإعلانية «لا برود بعد اليوم» ورسمت الشركة رجلاً وسيدة وهما يضحكان في وسط حديقة من الأزهار، وخلفهما الشمس وقد بدأت تشرق مطلقة أشعة دافئة لتذيب بها أي برود عاطفي. حققت الحملة الإعلامية نجاحاً كبيراً فالمبلغ الذي أنفقته الشركة كان كبيراً إضافة إلى نوعية الدواء، فقد قامت الصيدليات بحجز كميات كبيرة وكذلك كان الحال بالنسبة للدول المجاورة التي قامت هي الأخرى بحجز طلبيات لستة أشهر مقبلة.
طلب فوق التوقيع
وطبعا لم تغفل الشركة أثناء قيامها بالحملة الدعائية ان ترفق شهادة من الجهات الرسمية تشير إلى أن المنتج قد تم اختباره وانه جيد من الناحية الصحية وليست له أعراض جانبية. بدأت الشركة بالإنتاج وكانت الماكينات تعمل ليل نهار فقد كانت الطلبات على المنتج أكثر من المتوقع. بعد فترة طرحت الشركة منتجها الذي تلقفه المستهلك وكأنه البلسم الذي سيشفي كل شيء، إلا أن النتائج جاءت مخيبة إلى حد كبير فالمنتج كان عبارة عن خلاصة اعشاب تمد الجسم بالطاقة شأنه في ذلك شأن فيتامين (21) أو أي فيتامين آخر.
أما ما أعلن من أن هذا المنتج سيفعل فعل السحر وينهي أي برود عاطفي فلم يحقق الهدف المرجو منه، حتى أن بعض الدول ألغت الطلبات التي كانت قد حجزتها مع الشركة بحجة أن الدواء لم يف بالغرض الذي صُنع من اجله وروج له. أحست الشركة بأنها وضعت نفسها في موقف محرج فقامت بسحب البوسترات الكبيرة التي كانت قد وزعتها على الصيدليات، كما أوقفت الدعاية في إحدى المحطات التلفزيونية الخاصة.
وقامت الشركة أيضا بمراجعة ما حدث، وصبت جام غضبها على الخبير الذي أحضرته وأخيراً قررت طرده. كانت خسائر الشركة كبيرة لذا أرادت أن تعوض بعضاً من الأموال التي أنفقتها على الدعاية وعلى الإنتاج الذي لم يحقق شيئاً، وأخيراً استقر بها الرأي على أن تضيف عنصراً كيميائياً آخر إلى المنتج بحيث يؤدي الغرض الذي أعلنت عنه الشركة من قبل.
من أجل ذلك استقدمت الشركة خبيراً من إحدى الدول الأوروبية وكانت التعليمات صريحة وواضحة وهي إضافة مادة إلى المنتج نفسه بحيث يؤدي الغرض المعلن عنه، وهو التنشيط الجسدي.
حياة أو موت
بدأ الخبير تجاربه على المنتج القديم وقال انه منتج فعال من حيث تنشط خلايا الجسم وإزالة الإرهاق إلا انه لا يزيل البرود العاطفي. طلب المسؤولون في الشركة استغلال نفس كبسولة المنتج القديم وإضافة المادة الجديدة إليها.
أصبحت المسألة بالنسبة للشركة مسألة وجود أو لا وجود، لكن الخبير الأوروبي أكد للمسؤولين بالشركة أن الأمر يمكن علاجه خاصة وأن هذا الخبير يعمل في شركة أدوية أوروبية معروفة جداً، وسبق للشركة التي يعمل بها أن أنتجت ثلاثة أجيال من الأدوية الخاصة بعلاج البرود العاطفي، وكانت كلها ممتازة جداً.
قال الخبير انه يجب إضافة عنصر (.............) إلى المنتج عندها سيصبح فعالاً للغاية، مؤكداً ان هذا العنصر أضيف إلى الجيل الثالث الذي أنتجته الشركة الأوروبية التي يعمل بها وأنه حقق مبيعات بمئات الملايين في كافة أنحاء العالم. ترك الخبير الأوروبي جميع الأوراق الخاصة بالمنتج الجديد والنسبة التي يجب إضافتها من العنصر الجديد إلى الكبسولات ثم غادر عائداً إلى بلاده، بعد انتهاء مهمته وهي تحديد العنصر الجديد ونسبته.
وبدأت الشركة بإنتاج الدواء الجديد، وكانت خطتها عدم عرض المنتج الجديد على الجهات الرسمية، بحيث تبدو أنها لا تزال تنتج نفس منتجها القديم الذي حصلت على موافقة الجهات الرسمية عليه قبل فترة.
بدأت الشركة إنتاجها الجديد بكميات قليلة جدداً وبدأت توزيعه على بعض العاملين في الشركة، كان أحد الموظفين يشكو من برود في حياته الزوجية حيث كانت زوجته تعاني من بعض المشاكل وهنا قام المسؤول عن الإنتاج في الشركة بإعطائه علبة من الدواء الجديد طالباً منه أن يعطيها لزوجته بحيث تأخذ حبة من الدواء بعد الإفطار بساعة.
أخذت المرأة الكبسولة البنية التي يزيد طولها على «5. 1» سم وكلها أمل بان تحل هذه الكبسولة مشكلتها مع زوجها، فهي تريد أن تعيش حياة طبيعية مع زوجها الذي تحبه ولكنها لا تستطيع أن تتفاعل معه.
علاج السم
أخذت المرأة ثلاث كبسولات على ثلاثة أيام وفي اليوم الثالث تم نقلها إلى مستشفى الشركة المنتجة للعقار، ومن الطبيعي أن تنقل المرأة إلى ذلك المستشفى بحكم أن زوجها يعمل في الشركة ومن حقه وحق أسرته أن يعالجوا في مستشفى الشركة مجاناً.
عندما دخلت المرأة إلى المستشفى كانت حالتها الصحية سيئة للغاية، ومن خلال تحليل الدم كان واضحا أن السيدة أخذت علاجاً أو دواء يحتوي على عنصر من «الاكسكيوتين» وهي مادة سامة جداً إذا أخذت بنسبة أكثر من المعدل بقليل.
لم تستمر المرأة في المقاومة طويلا، رغم الجهود الطبية الكبيرة التي بذلت لإنقاذ حياتها إلا أنها فارقت الحياة، شكل موت المرأة صدمة كبيرة لزوجها الذي اتهم العلاج الذي حصل عليه من الشركة بأنه هو السبب في مأساته هذه وهدد بانه سيبلغ الشرطة، وسيقاضي الشركة.
أصبحت المسألة خطيرة للغاية وهنا قام المسؤولون في الشركة بعرض مبلغ يصل إلى «000. 200» دولار كتعويض للزوج مقابل عدم إبلاغ الشرطة، وكذلك صدرت الأوامر للمستشفى بعدم الحديث عن هذه المسألة نهائياً.
رفض الرجل المبلغ مقابل سكوته وهنا قال له المسؤولون في الشركة بانه إن حاول أن يكون «بطلا» ويبلغ الشرطة فانه سيكون هو المتهم حيث ان الشركة ستتهمه بانه سرق عينات من الدواء واستخدمها دون موافقة الشركة، وسيقدم للمحاكمة بتهمة سرقة عينات الدواء وقتل زوجته لانه أعطاها دواء دون أن تتم الموافقة عليه من الجهات المسؤولة.
طلب الرجل مهلة ليفكر في القضية وأخيراً جاء إلى المسؤولين في الشركة وأبلغهم بموافقته على العرض بشرط أن يأخذ جثة زوجته معه ويعود بها إلى بلاده. رفضت الشركة ذلك بحجة أنه عندما يصل بلاده قد يطلب من الجهات الرسمية في بلاده تشريح الجثة، لذا أصدر المستشفى شهادة مفادها أن الوفاة طبيعية وأنها ناجمة عن سكتة قلبية.
تم دفن الزوجة في الوقت الذي أخذ الزوج شيكاً بالمبلغ عائداً إلى بلاده بعد أن وقع على أوراق مفادها أنه وافق على دفن الزوجة بعد أن تأكد أن الوفاة طبيعية وأنها ناجمة عن سكتة قلبية. بعد وصول الرجل إلى بلاده ذهب إلى الجهات الرسمية وأخبرهم بما حدث معه وطلب من حكومته العمل على استرجاع جثة زوجته وتشريح الجثة للتأكد من أن الوفاة لم تكن بسبب سكتة قلبية.
في الوقت نفسه تلقت الأجهزة المختصة في المدينة التي فيها شركة الدواء أمراً بالتحري عن الحادثة حيث أشارت المعطيات إلى وجود الكبسولات التي تحتوي على كمية زائدة من عنصر «الاكسكيوتين» إلا أن هذه الكبسولات غير موجودة في الصيدليات. وقد أشار المسؤولون في الشركة إلى أن هذه الأدوية هي عبارة عن عينات لم يتم تسويقها لأنها لم تختبر حتى الآن بشكل جيد بعد إضافة العنصر الجديد إليها.
في أروقة المحاكم
جرت اتصالات على أعلى المستويات لمعرفة الحقيقة وأخذت الشرطة زمام المبادرة حيث تم استخراج إذن بتشريح جثة الزوجة وتبيّن من فحص أسنانها بأنها ماتت بسبب زيادة جرعة من عنصر «الاكسكيوتين». تم استدعاء الطبيب الذي كتب ووقع التقرير الطبي الذي أشار إلى أن المرأة ماتت بسبب السكتة القلبية وخلال التحقيق معه اعترف بأنه كتب التقرير تحت ضغط من المسؤولين في الشركة، وأنه وُضع بين خيارين إما الكشف عن سبب الوفاة ومصدر الدواء الذي تناولته المرأة وبالتالي حرمانه من وظيفته ومستحقاته وطرده بسبب عدم الكفاءة، أو كتابة تقرير وفقاً لما تريده الشركة مقابل الإبقاء عليه في المستشفى وترفيعه إلى رئيس قسم إضافة لهدية نقدية قدرها 000. 20 دولار.
ولكي يدلل الطبيب على كلامه قام بتسليم الشرطة «صس» مكتوب عليه تقرير كامل وشامل يفيد عن السبب الحقيقي لوفاة المرأة إضافة إلى تجاوزات الشركة التي باتت تختبر بعضاً من أدويتها على العاملين فيها وعلى أسرهم، ومن خلال التحقيقات أيضاً تبين أن المستشفى ليس للشركة بشكل كامل وإنما شركة الأدوية تمتلك 55% من حصصه وأنه محظور على إدارة المستشفى استيراد أي دواء إلا عن طريق الشركة، كما يحظر على المستشفى استخدام أي عقاقير طبية إذا لم تكن من إنتاج الشركة.
تم استدعاء زوج المرأة للاستماع إلى أقواله في محضر الشرطة كما تمت مساءلة بعض العاملين في قسم إنتاج الأدوية والمستشفى وتم تحويل ملف القضية منذ ستة أشهر إلى المحكمة ولا تزال القضية قيد الدراسة دون أن تبت المحكمة فيها، لكن الشيء الوحيد الذي توصلت إليه الشرطة هو أن الشركة توقفت نهائياً عن إنتاج أدويتها الجديدة وعادت لإنتاج بعض حبوب الصداع والمهدئات والمضادات الحيوية.
إعداد ـ أحمد سلطان
