على الرغم من بروز عدد من الحالات التي توصف بالعنف الأسري في مجتمع الإمارات مؤخرا الا أن خبراء الاجتماع يستبعدون أن تتحول تلك الحالات الى ما يسمى بالظاهرة في الدولة. الدكتورة موزة أحمد راشد العبار الخبيرة بوزارة الشؤون الاجتماعية والمتخصصة في علم الأخلاق والدراسات الاجتماعية تؤكد في حوارها مع «البيان» أن مجتمع الامارات مازال مجتمعا محافظا وخيوط النسيج الاجتماعي فيه مازالت متماسكة بسبب سيطرة النظام الاجتماعي والقيم والعادات والتقاليد الاجتماعية العربية والاسلامية.
وترى أن العنف الاسري لم يتحول الى ظاهرة اجتماعية في الدولة. لكنها تقول ان المتغيرات الاجتماعية لها تأثيرات سلبية تؤدي الى العنف الأسري الذي يؤدي بدوره الى ظواهر اجتماعية خطيرة مثل الطلاق.
ظاهرة شائعة
في الايام الأخيرة أثيرت قضايا العنف الأسري وباعتبارك متخصصة في علم الأخلاق والدراسات الاجتماعية، ما تعريفك بداية لهذه الظاهرة ؟
العنف الأسري ظاهرة اجتماعية شائعة في كل المجتمعات الانسانية ولكنها تختلف من مجتمع لآخر حسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويرى علماء الأخلاق وعلم الاجتماع أن هذه الظاهرة تكاد تنعدم في المجتمعات التقليدية حيث مازالت الأسرة الممتدة تمارس الضبط الاجتماعي على أفرادها، ولكنها تنتشر في المجتمعات الحضرية بسبب عوامل التغير الاجتماعي وضعف الضوابط الاجتماعية بين أفراد الأسرة. والعنف الأسري يتخذ أشكالا عديدة تتجاوز الضرب أو الأذى الجسدي أو اللفظي العنيف أو التحرش الجنسي.
وفي التعريف النفسي يرى العلماء أن العنف هو سلوك غريزي مصحوب بالكراهية وحب التدمير هدفه تصريف الطاقة العدائية المكبوتة، وقد يكون نتيحة للاحباط الشديد وعدم قدرة الشخص على التسامي وضبط النفس.
الوازع الديني
وما العوامل المؤدية إليه ؟
يمكن تلخيصها في العوامل الشخصية مثل ضعف الوازع الديني وضعف الشخصية وعدم الاستقرار والاتزان الانفعالي وعدم ادراك الواقع الاجتماعي وضعف الثقة بالنفس والحساسية المفرطة تجاه كلام وسلوك الآخرين. والعوامل الأسرية المرتبطة بالتكوين الأسري والتنشئة الاجتماعية والظروف الأسرية المحيطة، ثم العوامل المجتمعية مثل ضعف العادات والتقاليد والقيم والاعراف التي تحض على الرحمة واحترام الغير وحريتهم، وضعف أساليب الضبط الاجتماعي الرسمي وغير الرسمي في المجتمع، وتعرض الأسرة لمشاهد العنف والجريمة بشكل متكرر ويومي من خلال وسائل عديدة في المجتمع.
هل هناك تصنيفات معينة لصور ودرجات العنف الأسري وفقا للدراسات الاجتماعية ؟
بالتأكيد هناك تصنيفات للعنف الأسري تتدرج من العنف الموجه نحو الذات والزوج والزوجة والأبناء والأب والأم -تصنيف أول- وايذاء النفس وسب اعضاء الأسرة والتهديد اللفظي والتشابك بالأيدي والتشاجر والضرب والسرقة والتحرش الجنسي والتهديد بالقتل والطرد والخلع والطلاق والحرق واحداث عاهة والقتل -تصنيف ثاني- ثم العنف المؤقت والمتقطع والمستمر كتصنيف ثالث والعنف بدرجاته البسيطة والمتوسطة والكبيرة كتصنيف رابع وأخيرا العنف في نطاق الاسرة وخارجه نحو الجيران أو الأقارب كتصنيف خامس.
عوامل اقتصادية
ما التفسير لهذه الظاهرة في مجتمع الامارات ؟
في تقديري أن مجتمع الامارات مازال مجتمعا محافظا وخيوط النسيج الاجتماعي فيه مازالت متماسكة بسبب سيطرة النظام الاجتماعي والقيم والعادات والتقاليد الاجتماعية العربية والاسلامية الراسخة ولذلك لا اعتقد أن العنف الاسري تحول الى ظاهرة اجتماعية في الدولة. فالوقائع التي تحدث هنا وهناك هي حوادث فردية تتسبب فيها عوامل اقتصادية وضغوط نفسية.
في رأيك كيف يمكن الحد من ظاهرة العنف الأسري ؟
في رأيي أن التوعية تلعب دورا محوريا في التعريف بالآثار التي تترتب على تلك الظاهرة، وهي مسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والأهلية، فضلا عن دور المدرسة والمسجد ووسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، بالاضافة الى ضرورة سن تشريع يعاقب كل من يتجاوز الحدود المسموح بها اجتماعيا بممارسة العنف الأسري على أي من افراد الأسرة.
قرية كونية
ما تأثير العوامل المسببة على انتشار الظاهرة في مجتمع الإمارات ؟
نحن نعيش في عالم متحول وأصبح قرية كونية حيث استطاعت وسائل الاعلام في عصر المعلوماتية أن تزيل الحواجز بين الدول والشعوب، كما أن العولمة الثقافية طرقت أبواب بيوتنا دون استئذان شأنها شأن الفضائيات والتي جلبت معها كثيرا من القيم الاجتماعية الدخيلة على مجتمع الامارات، وهناك كثير من المشاهد في البرامج التلفزيونية التي يمارس فيها العنف الأسري باعتباره عملا بطوليا والتي بدورها تؤثر على كثير من المشاهدين وخاصة الذين يعانون من ضغوط نفسية واقتصادية وغيرها من الضغوط الاجتماعية.
الى أي مدى يمكن أن تؤثر الأزمات الاقتصادية في ايجاد ظواهر اجتماعية مثل العنف الأسري ؟
بالتأكيد الأزمات الاقتصادية لها تأثير وانعكاسات اجتماعية مباشرة وبالطبع فإن الأزمة الحالية اثرت في عدد من الأفراد في المجتمعات المختلفة أدت بهم الى حالة من التوتر النفسي والعصبي.
التمييز ضد المرأة
ما دور المجتمع الدولي في مكافحة ظاهرة العنف الأسري ؟
ظاهرة العنف الأسري تصدرت وقائع مؤتمر المرآة العالمي الرابع الذي انعقد عام 1995 في العاصمة الصينية بكين وشاركت فيه الدولة بوفد رفيع المستوى وكان من نتائج المؤتمر أن أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتفاقية الدولية المناهضة لجميع أشكال التمييز ضد المرآة، كما أصدرت الجمعية العامة الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل. والمدقق في تلك الاتفاقيات يلاحظ أنها تتضمن بنودا صريحة تمنع العنف الاسري ضد المرآة والطفل.
وأرى أن على الجهات المعنية التعريف بهذه الاتفاقيات وايجاد الآليات التي تساعد على تنفيذ بنودها خصوصا وأن الامارات وقعت على تلك الاتفاقيتين. ولذلك لابد من اتخاذ التدابير الوقائية لحماية مجتمع الدولة من اثار وتداعيات هذه الظاهرة الخطيرة سواء في المناطق الريفية أو الحضرية، ولا بد بالضرورة من ترسيخ مفاهيم القيم الدينية والاخلاقية والاجتماعية وهو مسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والأهلية.
في دراستك المهمة عن الطلاق قلت انه من أهم المشكلات التي تواجه أغلب المجتمعات وأحد أهم دوافع العنف الأسري؟
التغيرات الاجتماعية صاحبتها بعض المؤشرات الايجابية والسلبية والأخيرة ارتبطت في التنشئة الاجتماعية ومشكلات التفكك الاسري والمتمثلة في التوتر العائلي الدائم والانفصال المؤقت وأخيرا الطلاق التي تسبب فيه ونتجت عنه ظواهر سلبية كثيرة منها ظاهرة العنف الأسري اضافة الى الآثار والمشكلات الاجتماعية والنفسية والصحية الأخرى.
اقتراحات
روشتة تجنب الخلافات
اقترحت الدراسة الميدانية للدكتورة موزة العبار مجموعة من الوسائل والسبل لتهدئة وحل الخلافات الأسرية حتى لاتصل الى مرحلة الطلاق منها مثلا ترك مكان النقاش عندما لاتتمكن من التفاهم مع الطرف الاخر، والحوار المتبادل البناء وبصوت منخفض والسيطرة على الأعصاب والاعتذار عن الخطأ واختيار كلمات مناسبة لتهدئة الأمور والانفصال المؤقت والهجر في بيت الزوجية لفترة قصيرة محدودة .
واختيار حكم من قبل الطرفين من الأسرتين واللجوء الى مرشد ديني أو أحد الأقارب من ذوي الخبرة المشهود لهم بسداد الرأي واسداء النصيحة واللجوء للمكاتب المختصة مثل مكاتب الاصلاح الاسري وخدمة الخط الساخن لجمعية الاحداث. اضاقة الى ذلك فإن زيادة الوعي الاجتماعي لدى الشباب المتزوجين حديثا، وزيادة الوازع الديني الذي يخفف من حدة الخلافات والاشكاليات الأسرية اليومية.
73%
تؤكد الدراسات أن مجتمع دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام ومجتمع الامارات بشكل خاص من بين تلك المجتمعات التي تزيد فيها نسب الطلاق باطراد، حيث تشير الاحصاءات الى أن نسبة حالات الطلاق وصلت الى 37 بالمائة في الامارات بينما تصل في البحرين الى 47 بالمائة والسعودية 30 بالمائة والكويت 29 بالمائة. وتقول الدكتورة موزة العبار ان ظاهرة الطلاق في مجتمع الامارات بحاجة الى تكاتف الجميع من جهات رسمية وأهلية ومؤسسات وأفراد لمواجهه تلك الظاهرة التي أصبحت تؤرق الم.
دبي ـ عادل السنهوري

