قال الشيخ: من أكثر ما جر البلاء علينا عدم امتلاكنا لليقين الكامل بوعد الله بالنصرة والفوز في الدارين لمن التزم بشرعه وأقام منهجه ورسم سلوك حياته أفرادا ومجتمعات وفق ما أراده، فقد قبل أكثرنا أن يأخذ ببعض الكتاب ويهجر البعض الآخر...

من باب أن الحياة اليوم لا تستقيم وان الدنيا لا تسلم نفسها الا بهجر بعض ما انزله الله أو أقره نبيه عليه الصلاة والسلام، أما من باب مجاراة العصر وما جرته من غربنة وعولمة أو استسلام للغزو الفكري الثقافي والقيمي والتشريعي، أو من باب أن الحق وأنصاره مستضعفون اليوم وأنه لا يمكن مجابهة العالم بأكمله وقد انحرف كثيرا نحو المادية والحسية والظلم والبطش والاستخفاف بالإنسان وحياته واستغلال البشر والحجر والأرض والبحر والزرع والضرع لصالح فئات باغية لا ترحم.

فأما مجاراة العصر والسير على أثار من لا يقيمون شرع الله اعتقادا بان الحياة قد تغيرت وأن ما كان يحسن سابقا قد لا يحسن اليوم وما كان يقبح سابقا قد لا يقبح اليوم...فهما أقرب إلى الشك لما فيهما من عد م الاعتراف بحكمة الله وشرعه وكفاية هذا الشرع وكفاءته إلى يوم القيامة.

وها نحن نرى أن من أقام حياته على غير شرع الله قد انتهى إلى أزمات مالية وأخلاقية واجتماعية مريرة لم يعد بمقدور احد أن يوقفها أو يسيطر عليها. وقد انتهى الإنسان في القرن الحادي والعشرين إلى أبشع ما يكون عليه مخلوق على سطح الأرض مما يعني إفلاس كل الفلسفات والشرائع والواجهات الفكرية والسياسية التي قدمت على التسليم لآمر الله العزيز الحكيم.

أليس في أزمة الغذاء وأزمة المال وما نتج عنهما من مشكلات اجتماعية وأخلاقية، وفي الحروب التي أتت على الأخضر واليابس، وفي العتاد والسلاح الذي يفتك بالمدنيين والأبرياء، وفي تجارة المخدرات والرقيق الأبيض، وفي الإباحية والحيوانية التي طغت على سطح أكثر المجتمعات، وفي مرتزقة القتل والتعذيب الذين صارت لهم شركات خاصة تستثمرهم وتعبئ جيوبها من دمهم ودم من يبطشون به، ما يشير إلى أن كل ما دعينا إليه باعتباره «تقدما» و«تحضرا» و«انجازا» و«وتطورا» كان مجرد خدعة خدع أصحابها أنفسهم بها ثم خدعوا بها كل سكان الأرض.

هذا من جهة اما من الجهة الأخرى فهي ما جره الاستضعاف علينا من ذل وهوان واستلاب واغتصاب، فنحن لم ننصر الحق خوفا أو طمعا، وقلنا لن نستطيع الوقوف في وجه العالم كله وهو يتحرك في الاتجاه المعاكس، وقلنا نساوم على ديننا وشريعتنا وأخلاقنا ووجودنا لنضمن مكانا لنا على الأرض، فإذا بمن أعطيناه نصف رغيفنا يأخذ النصف الآخر، وإذا بمن أسكناه في غرفة من غرف بيوتنا يستأثر بها كلها ويرمينا ومتاعنا على قارعة الطريق، وإذا بمن سلمناه ظهورنا لا يتركنا الا وقد مص أكثر دمائنا.

يقول ابن القيم: «ذلك أنه إذا اعتقد ان الدين الكامل لا يحصل الا بفساد دنياه من حصول ضرر لا يحتمله وفوات منفعة لا بد له منها لم يقدر على احتمال هذا الضرر ولا تفويت تلك المنفعة فسبحان الله كم صدت هذه الفتنة الكثير من الخلق بل أكثرهم عن العلم بحقيقة الدين.

وهنا يجب ان يقدم الدين الكامل على كل جلب منفعة دينوية أو دفع ضرر دنيوي على مستوى الفرد الذي يقصد إلى الخلاص والفوز بالآخرة والنعيم المقيم بها، ومن شان الفتن ان تضع الأفراد أمام مساومات ومقايضات من هذا النوع ولا يعنيه في مثل هذه الأحوال الا الفهم والتقدير الحقيقي لقيمة ووزن كل من الدنيا والآخرة ورضى الناس ورضى الله.

اما على مستوى الجماعات فلا بد من اليقين الكامل بان صلاح الدنيا لا يكون الا بما يحقق صلاح الآخرة وان إقامة شرع الله وتطهير الحركة الدنيوية من الأزمات والأمراض والانحرافات في النفوس والأحوال هما ضمان النصرة والظهور والانجاز والنجاح.

ولا يستقيم أمر الجماعات الا باستقامة أمور الأفراد وهذا يعني اثمانا لا بد من دفعها وهي في كل الأحوال اثمان دنيوية ترخص في سبيل مجد الدنيا ونعيم الآخرة، وفي سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وحياة الصحابة والتابعين ألف مثال ومثال على هذا.

ماهر سقا أميني