أكد الشيخ السيد علي بن عبد الله الهاشمي أن بعض العلماء يفتقدون إلى الفطنة في التعامل مع وسائل الإعلام، ويفوتهم تسديد البيان وإيصال الفتوى أو الرأي الديني بوضوح لا يحتمل اللبس أو التأويل، وقال لـ «البيان» إن ذلك يفتح الباب أمام بعض وسائل الإعلام سواء من الصحف أم الفضائيات لتصيُّد ليس الأخطاء، ولكن سوء التوضيح للرأي أو المقصد الشرعي للعالم.
وقال: نحن في دول الخليج لدينا تآلف كبير بين السنة والشيعة، ويعيش الجميع على احترام كل طرف لمذهب الآخر.. وكانت خيبة أمل أميركا والغرب كبيرة في إذكاء الخلافات بين الفريقين، ومحاولة تقسيم العالم الإسلامي والعربي على أسس طائفية ومذهبية، لكن خابت مساعيهم بوعي علماء الأمة بخطورة هذه المخططات.. وأعتقد أن فتوى د. علي جمعة تصب في هذا الاتجاه الرامي إلى توحيد صفوف المسلمين، وسد الطريق أمام المخططات الخارجية.
الخطاب الإعلامي الإسلامي أيضاً لم يؤدِّ بالقدر المطلوب دوره مع المسلمين أنفسهم.. كيف ترى ذلك؟
من يسر الإسلام أنه شرع لنا الصلوات الخمس، فيها يكون اجتماع المسلمين، وفيها يمكن توجيه المسلم إلى كل ما يحتاج إليه من معلومات أو فتوى في أي أمر يحيره.. ومن ذلك توجيهه إلى الطريق الصحيح في وقت الأزمات. وأنا هنا لا ألغي دور الخطاب الإعلامي الإسلامي، وإنما أشير إلى أنه أحد وسائل الاتصال، وليس جميعها... فعلى المسلم أن يسعى للوصول إلى المعلومات الموثقة من مصادرها، وأن يستفتي أهل العلم.. وبالنسبة لدور الشباب بل الشيوخ والنساء والأطفال وكل مسلم في وقت الأزمات أن يجاهد بما يتيسر له، سواء بالمال أو بالدعاء أو بالنفس، والجهاد باللسان قبل السنان، مع تفهم ما تمر به الأمة من قضايا تدعو إلى التفطن والتبصر، لعدم الانجرار إلى ما يسعى أعداؤنا إليه.
سماحة ويسر
صدرت فتوى إماراتية أخيرة بجواز تولي المرأة منصب الإفتاء.. هل ترى مثل هذه الخطوة تعزيزا لدور المرأة وتأكيدا على أن شريعة الإسلام أعطتها ما لم تعطه لها أي أديان أخرى؟
الإسلام أعطى للمرأة الحقوق في وقت لم تعرف فيه البشرية الحقوق، وذلك قبل 15 قرنًا.. ومما يؤسف له أن الغرب وخاصة أميركا يجهلون ما في الإسلام من الخير والسماحة واليسر، وواكب ذلك نشوء ما يسمى بالتطرف والإرهاب عن قصد أو جهل..
بينما واقع الأمر يؤكد أن الإسلام سبق كل النظريات والأفكار الغربية المنادية بحقوق الإنسان والمرأة، فحتى مئتي عام خلت كانت روح المرأة لدى الغرب توازي روح كلب لا أكثر، بينما الإسلام أثبت للمرأة جميع الحقوق على جميع المستويات العلمية والاجتماعية والسياسية والمالية، كما حفظ كرامتها وآدميتها، وحرم انتهاكها كما يحدث الآن في العوالم التي تصف نفسها بالمتحضرة، وهناك جانب من التقصير يقع على المسلمين والإعلام الإسلامي في إزالة المفاهيم الخاطئة المترسبة لدى الغرب وغير المسلمين عن ديننا، سواء عن جهل أو عن قصد.
وماذا عن انتشار الفتاوى الغريبة التي يتخذها البعض مجالاً للسخرية من المسلمين.. ألا يدعو ذلك إلى توحيد جهة الفتوى على مستوى العالم الإسلامي؟
لا يوجد شيء اسمه توحيد جهة الفتوى، فمن مزايا الإسلام وسماحته اختلاف وسائله في التبليغ.. ومخاطبة الناس على قدر عقولهم، وبألسنتهم، وبما يتناسب مع ظروفهم.. لذلك تتعدد جهات الفتوى وفق كل بلد؛ لتكون هناك دراية تامة بشؤون المسلمين وأوضاعهم في هذا البلد، حتى تأتي الفتوى مطابقة لحالهم.. وهذا الأمر لا يحدث إلا في الأمور الفرعية والمتشابهة..
أما الأمور الرئيسية فلا خلاف عليها في أي زمان وأي مكان.. وتبقى المرونة والاجتهاد في الأمور الفرعية والمستحدثة، ويتم الاجتهاد فيها وفق الضوابط والمقتضيات الشرعية.. ونحن في الإمارات قمنا بإعداد «مدونة الإمام مالك» طبعت على نفقة الشيخ زايد رحمه الله، وتضم كل ما يحتاج إليه المسلم المعاصر من أمور فقهية.. وأنصح في هذا الشأن طالب العلم بألا تكون لديه شهوة القول، وإنما يجب عليه أن يتريث قبل الرد، وعليه أن يقول لا أدري في الحالات التي لا يتيقن فيها من الرأي الصحيح.
الاقتصاد في الحج
الحرمان الشريفان أمنية كل مسلم.. كيف كانت مشاعركم وذكرياتكم في بيت الله الحرام؟
أديت فريضة الحج مرتين، وكانت الثانية بدعوة من الملك فيصل رحمه الله، وبالطبع لا يستطيع أي إنسان مسلم أن يصف مشاعره الحقيقية والروحانية في هذه الرحاب الطاهرة.. وفي الأماكن التي عاش فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، لكنني في هذا الصدد أود أن أوجه إلى الاقتصاد في أداء فريضة الحج، وأن يترك المستطيعون الفرصة لغيرهم من الفقراء لأداء هذا الركن العظيم..
فأنصح كل مسلم أدى حجة الفريضة بأن يتبرع بتكاليف حجه الثاني والثالث إلى الفقراء، سواء بكفالتهم أم عونهم أم تمكينهم من الحج، وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن نتخذ الحج مجرد نزهة. كما أن الاقتصاد في أداء الحج يخفف العبء على الحرمين، ويقلل الزحام، مما ييسر على المسلمين أداء المناسك بيسر.. فأدعو كل من حج أو اعتمر بأن يلزم أرضه، وأن يدع الفرصة لغيره، فمعروف أن حجة الإسلام مرة واحدة في العمر.. أما العمرة فيمكن تكرارها كل خمسة أعوام.
البعض يتخذون من تكرار الحج طهرة لهم؟
الحج المبرور يعود منه المرء كما ولدته أمه، فتتساقط عنه ذنوبه السابقة، كما أن الحج المقبول إنما هو الذي يمنع صاحبه بعد العودة من ارتكاب المعاصي والموبقات، فلا يصح أن يحج المرء في كل عام ويرتكب من الموبقات ما يزعم أنه سيتطهر منه بحج العام التالي، فهذا أمر غير مقبول، وبصفة عامة تكرار الحج من الفضائل، لكن هناك ما هو أولى منها، كإنفاق تكاليف هذا الحج فيما ينفع المسلمين، وحتى تتاح المناسك بيسر لمن لم يؤدها من قبل.
القاهرة- دار الإعلام العربية
