هناك بعض الكتاب والشعراء لا يرضون عن أنفسهم ولا يحسون بوخزة الإبداع إلا إذا خرجوا عن الثوابت، ولا أقصد هنا الثوابت التي يرتبط بها الناس في تعبيراتهم أو نمط حياتهم كالعادات والتقاليد، ولكني أقصد الثوابت المقدسة والمعتقدات الدينية التي لا يجوز لأحد الاقتراب منها بشكل يسيء إليها أو يسيء إلى معتنقيها بدعوى حرية الإبداع والفكر.

وكم من الإساءات ارتكبت باسم حرية الإبداع وحرية الفكر، جرت خلافاً واختلافاً لا مبرر له وخصمت من رصيد الجميع بدون طائل ولا مردود، وكم من مغمور فكرياً أو مدفون ثقافيا لا يعرفه أحد ولا يحس بإبداعه المزعوم غير نفسه التي بين جنبيه، نراه ظهر فجأة وانتشر بسبب كلمات منثورة ليست بالشعر ولا بالنثر وإنما هي ثرثرة كلامية تتجنى على نبي أو رسول، نشرها في كتاب أو صحيفة ثم أبلغ عنها مجمع البحوث الإسلامية أو مؤسسة من المؤسسات مهمتها مراقبة مثل هذه الكتابات وتوصي بمصادرتها.

وإذا به يتنفس الصعداء ويصرخ في البرية بأن إبداعاته اغتيلت على يد من لا يرحم مبدعا ولا يرعى شاعرا ذا إحساس مرهف وصاحب مواقف وثوابت ذات قيمة لا يحيد عنها حتى ولو صادروا كل إبداعاته التي سهر عليها الليالي الطويلة وجحظت عيناه بسببها، ليخرجها لنا درة في جبين الأدب العربي والثقافة العربية التي تناطح درر الآداب الغربية والشرقية.

ولا أدري وأتمنى أن يقول لي احد ما الرابط بين الإبداع وبين أن تسيء إلى الدين أو إلى الذات الإلهية؟ فكم رأينا أدباء ومفكرين وشعراء عرب وأجانب اشتهروا في أنحاء العالم وقرأنا لهم إبداعات في الرواية والقصة القصيرة والشعر وكلها في غاية الروعة بدون أن يسفهوا معتقدا أو ينقصوا من قيمة الدين، وكانت شهرتهم مع هذا كما يقولون تجوب الآفاق، ومنهم من يقرا له الآن وقد توفاه الله من زمن بعيد.

وفي الأسبوع الماضي حكمت محكمة القضاء الإداري بإلغاء ترخيص مجلة إبداع التي تصدرها الهيئة العامة للكتاب المصرية، لأنها اعتبرت القصيدة التي نشرتها المجلة للشاعر حلمي سالم وهي بعنوان (شرفة ليلى مراد) تتضمن الإساءة للذات الإلهية، بعد إرسال الأزهر تقريرا إلى المحكمة اعتبر أن هذه القصيدة تتضمن مساسا بالذات الإلهية.

ولم يتوقف الأمر فقد فاجأ الروائي التركي نديم جورسيل الأوساط الثقافية بتقديم رواية بعنوان بنات الله تهين الذات الإلهية والرسل وكل الأديان والكتب السماوية. وقد طلب أحد القراء من رئاسة الشؤون الدينية في تركيا مراجعة ما ورد بها، فتم تشكيل لجنة برئاسة نائب رئيس الشؤون الدينية البروفيسور حمزة أوكتان الذي أصدر تقريرا انتقد فيه ما جاء في الرواية.

السيد الطنطاوي