إن كل عمل يقوم به المسلم بغية التقرب إلى الله عز وجل تظهر آثاره في سلوكه تواضعاً وعفة وحسن فعال وإمساكاً عن الفحشاء وابتعاداً عن المنكر. لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرر على أسماع الصحابة قوله: إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً «متفق عليه»
وقوله: إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام في شيء وإن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً. «رواه الطبراني وأحمد وأبويعلي ورجاله ثقات». والمسلم العاقل هو الذي يتحلى بالأخلاق الفاضلة ليكون أهلاً لرحمة الله عز وجل لذا تراه يبتعد عن السباب والشتم والغيبة والنميمة والقيل والقال وإيذاء الآخرين يقول أو عمل، وتراه صبوراً متسامحاً جواداً كريماً باراً بوالديه عطوفاً على أقاربه رفيقاً بأهله رحيماً بجيرانه ومع كل من يتعامل معهم، لأنه ارتبط في أخلاقه بالتدين وبالتقوى وبالعبادة والإخلاص فيها.
روي عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس. «رواه مسلم والترمذي».
قيل البر: الإحسان إلى الناس والتقرب إلى الله تعالى. وفي النهاية: وإن البر دون الإثم، أي وان الوفاء بما جعل على نفسه دون الغدر والنكث.
وحسن الخلق يدخل فيه طلاقة الوجه وكف الأذى وبذل القري وأن يحب المرء للناس ما يحب لنفسه، والإنصاف في المعاملة والرفق في المجادلة والعدل في الأحكام، والإحسان في السر، والإيثار في العسر وحسن الصحبة ولين الجانب واحتمال الأذى وفعل الواجبات واجتناب المحرمات، وأفضل البر بر الوالدين.
قوله: والإثم: أي الذنب
وقوله: ما حاك: أي ما رسخ أو أثر في النفس اضطراباً وقلقاً ونفوراً بعد طمأنينتها.
وكرهت أن يطلع عليه الناس: أي وجوههم وأماثلهم الذين يستحي منهم وذلك أن النفس لها شعور من أصل الفطرة بما تحمد عاقبته وما تذم عاقبته ووجه كون كراهة اطلاع الناس على الشيء يدل على أنه إثم وأن النفس بطبعها تحب اطلاع الناس على خيرها وبرها وتكره ضد ذلك.
وقضيته عموم الحديث ان مجرد خطور المعصية والهم بها إثم لكنه مخصوص بخبر: إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست به نفوسها ما لم تعمل بها أو تتكلم، بل ربما يثاب كما قيل له صلى الله عليه وسلم إن تجد في نفوسنا ما يتعاظم أحدنا أن ينطق به فقال: ذلك صريح الإيمان.
المسلم العاقل الحكيم هو الذي يحرص على أن يكون عمله مقبولاً وجميع عباداته كذلك، فلا يقترف إثماً أو ما يغضب المولى عز وجل لأنه متتبع لسنن النبي صلى الله عليه وسلم وسالك مناهج الصالحين الذين تربوا في مدرسة الإسلام فعاشوا مع الله ذكراً وتلاوة لكتابه الكريم وتخلقوا بالأخلاق الفاضلة فرضي الله عنهم ورضي عمن سار على دربهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين.
روي عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً وكان يقول إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً. «رواه البخاري ومسلم والترمذي» والمفلسون هم من ساء خلقهم وساءت معاملاتهم.
وقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون من المفلس، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: صلى الله عليه وسلم المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار.
المسلم العاقل هو الذي لا يشتم أحداً ولا يعيب أحداً ولا يخوض في سيرة الناس ويعفوا عمن أساء الله كي يكون ممن قال فيهم الحق سبحانه وتعالى: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. وتهمس في أذن بعض الناس الذين ينسون أنفسهم وترتفع أصواتهم على بعض على متاع الدنيا الزائل ويتراشقون بالكلمات وقد تتطور الأمور بينهم إلى العراك والضرب، فنقول لهؤلاء اتقوا الله في أنفسكم وفي أولادكم وأعملوا على تهيئة الجو المناسب لقضاء الحاجات بالكلمة الطيبة، فالكلمة الطيبة صدقة وبالجوار الهاديء البعيد عن العنف والإثارة تفوزوا برضا ربكم.
حامد واكد
