الله تعالى يأمرنا أن ننظر كيف بدأ الخلق، يأمرنا أن نسير في الأرض..ونرصد أطوار المعرفة وتطور العلم عبر التاريخ الإنساني... (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير) العنكبوت (آية:20)
النهاية الحتمية للصراع الأخوي بين ابني آدم.. كانت لصالح الإستراتيجية السلمية في مقابل إستراتيجية العنف، وذلك بالتشريع الإنساني الرائع الذي يراعي المحافظة على النفس الإنسانية أيا كانت هذه النفس، وأيا كانت توجهاتها ومذاهبها (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا...)
في قصة ابني آدم يضع القرآن الكريم الإنسان أمام خيارين أحدهما: خيار العنف والصراع الذي يصفه بأنه تطويع النفس الإنسانية، وغرور بمصدر القوة بصفتها حلا ممكنا لإنهاء القضايا العالقة. والخيار الثاني: هو الحل السلمي الواسع الأفق، والضارب في أعماق المستقبل.
هذا الحل الذي يحتاج إلى نفس تقية تؤمن بعدالة قضيتها دون أن تحتاج إلى من يدافع عنها، أو يحمل سلاحا تتلطخ به دماء الأبرياء.: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبر وما صبرك إلا بالله إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون). النحل 126
يقول تعالى: (واتل عليهم نبا ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من النادمين فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين. من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا...) المائدة 27- 32
إن القصة القرآنية تعتمد وفقا لمنظورها الإنساني المتعالي عن رؤية الذات الضيقة، على إبراز قضية مهمة يمكن أن يصطلح عليها بالتعبير المعاصر «إستراتيجية الحل السلمي» في معالجة الخلافات والصراعات، سواء كانت ثنائية كما جسدها نموذج ابني آدم، أو بين جماعتين عبر التاريخ الإنساني الطويل.
هذه الإستراتيجية التي تحدثت عنها الآيات، تسعى لترسيخ مبدأ السلم والسلام باعتباره مبدأ إيجابيا يرسخ في النفس الإنسانية ثقافة السلم، لا بالمنظور السلبي الذي يرى في مثل هذه السلوكيات والتصرفات نوعا من الاستسلام لقوة الطرف الآخر، وضربا من العجز الفكري والجسدي على المقاومة المشروعة.
كما تبرز الآيات بشكل واضح طبيعة النفس الإنسانية، وتسويلها قتل الآخر بشكل تعسفي دون ذنب (فطوعت له نفسه قتل أخيه..)،هذه النفس المجبولة على الصراع والصدام، والمتمثلة في قابيل أول قاتل في التاريخ البشري وتعني أن القوة تكون دائما مسلكا إيجابيا لجلب الحقوق أو دفع الضرر، دون الاكتراث بما قد تؤول إليه عواقب الأمور..
إن القصة القرآنية تحتل مكانة رئيسية في النسق العلمي للحياة الإسلامية بوجه عام فبها يتم التنظير والتطبيق على حياة الفرد وفق الأهداف والنموذج المقدم داخل هذه القصص. وبها يتم تقديم السنن والقوانين، التي تحكم المسار الإنساني في الجوانب المختلفة من حياة الإنسان.
أحمد عبد المجيد