قال الشيخ: ما من أحد يستطيع أن ينكر أن البلاء قد عم وأن الحوادث تتوالى على أهل الأرض مؤمنهم ومشركهم، فقيرهم وغنيهم، عزيزهم وذليلهم، وما طرقنا باب الحديث عن البلاء وأسراره الا لنحسن قراءة هذه الحوادث وفهمها وإدراك الرسائل الإلهية التي تحملها، وإلا فما الجدوى من حديث كهذا إن كنا لا نفكر الا بالخلاص من صعوبات الدنيا ومحنها ثم ليكن بعدها ما يكون.

وقد يضج البعض سيما ممن سقطت على رأسه حجارة الظلم ولم يكن سببا في ظلم أحد.. فيقول وما ذنبي انا حتى تفعل في الأفاعيل؟! وقد يكون بعض هؤلاء يحسنون الظن بأنفسهم أكثر من اللازم مما يجعلهم يسيئون الظن بالله عز وجل وحكمته ورحمته وجوده، وفي هذا كثير من الحيف يوقعونه في أنفسهم... فالحق سبحانه وتعالى لا يضره شيء، وما الكون والأقدار الا صفحات يجدر ان يقرأ فيها ويفهم منها مراد الله من وراء تصريفه لأقداره.

لابد أولا من القول ان كثيرا من هذا البلاء الذي حل بنا وراءه تظالم الناس وبطش بعضهم ببعض، هذا الظلم الذي مارسه الظالمون بكل قسوة وتبلد في المشاعر وانعدام في الضمير وخلل في موازين العقل، وكثيرا ما لم يجدوا من يردهم أو يصدهم عن ظلهم أو يأمرهم بالمعروف أو ينهاهم عن المنكر، وفي هذا سبب كاف لسقوطنا في الفقر والخوف والضعف والتهالك، بل لعل كثيرين منا قد ساعدوا الظلمة بوعي أو بدون وعي...

فأعانهم بماله عندما قبل أن يدفع منه حصة لربا امتصوا به دماء الناس أو بنفسه عندما انحطت همته وضعفت عزيمته وسار وراء الغاوين والمغوين، ونحن أمة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم خصنا الله بالخيرية ان أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر (كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) آل عمران110

فلما انصرفنا عن هذه الرسالة التي خصنا العزيز بها هنا عليه ولم نزد عنده عن غيرنا من الكفرة والعصاة. لقد أراد الله لبني إسرائيل أن يكونوا أفضل العلمين ولكنهم قابلوا هذه الإرادة الشرعية بقسوة القلب وكثرة الجدل وتفضيلهم الدنيا على الآخرة وقتلهم الأنبياء بغير حق... فهانوا على الله وضربت عليهم الذلة والمسكنة وتوزعوا في الأرض أشتاتا، وها نحن نحذو حذوهم ونتبع أثارهم فإذا بقلوبنا كالحجارة لا تخشع لآيات الله.

وإذا بنا نجادل ونتجاوز كثيرا مما أراده الله من قيم وشرائع إلى قيم وشرائع وضعية نعتقد أنها انسب للعصر، ونفضل الدنيا على الآخرة حتى وان كانت بالذل ومع الذل، ثم نحارب العلماء وهم ورثة الأنبياء أو نحيدهم عن رسم مناهج السلوك الفردي والاجتماعي ونصطنع لأنفسنا قادة ونجوما غيرهم من الشرق والغرب حتى صح فينا قوله تعالى (الم يأن للذين امنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق .

ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) الحديد 16 ثم ان المؤمن حق الإيمان العارف بالله وأسمائه وصفاته يقف بتأدب مع الله الذي (لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون) الأنبياء 23.

وفي هذا راحة لمن دخل الإيمان في قلبه وملا عليه جوانحه وعانق روحه فمن معاني الإسلام التسليم ومن لم يجد في نفسه ميلا نحو التسليم جاز القول أن عليه أن يراجع إيمانه. والمؤمن عندما يسلم يعلم أن أفعال الله تقوم على الحكمة والمصلحة والثواب والعقاب واللطف والعدل أي انه لا يسلم لمجرد التسليم إنما أمره انه عرف ربه فقبل منه كل شيء.

أما من أنكر حكمة الله ورحمته وتظلم لله عز وجل واتهمه فهو امرؤ خف عقله وضل فكره وهو بهذا يستحق كل ما ينزل فيه، يقول الحق سبحانه وتعالى (ومن الناس من يعبد الله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وان أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين)الحج 11.

ماهر سقا أميني