يتجه الكثير من عامة المسلمين إلى الشبكة المعلوماتية «الانترنت» للاستفادة مما تقدمه من معلومات وأخبار أو تحميل البرامج وغيرها من الأمور الأخرى.. لكن الغريب أن الآونة الأخيرة شهدت قيام البعض بالتعامل مع تلك المعلومات أو تنزيل البرامج بطرق غير شرعية ولم يجزها الإسلام، كأن يتم الدخول على بيانات الغير بدون إذنهم وكسر الحماية الخاصة بهم عن طريق معرفة كلمة المرور الـ «ِفٌََُّّّْل».
وبعرض مثل هذه الأمور على علماء الإسلام أكدوا أن شبكة الإنترنت من ضمن الوسائل المستحدثة، التي يجوز الاستفادة منها شرط أن يتم ذلك بالطرق الشرعية التي أجازها الإسلام، أما من يفعل غير ذلك فيعد مغتصبا وعقوبته عند الله سوف تكون أشد من عقوبة السارق د.أحمد السايح أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر يرى أن تحميل البرامج بهدف الاستخدام العلمي والاستفادة منها أمر جائز شرعًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اطلبوا العلم ولو في الصين»، ولكن بشرط ألا يتعدى على حقوق الغير عند تحميلها لهذه البرامج، كأن تكون خاضعة لشركة ما، ولا تسمح لأحد بأن يقوم بتحميلها إلا بدفع مقابل مادي، فهذا حقها، ولذلك وجب على الجميع اتباع ذلك، للابتعاد عما حرمه الله.
أضاف أن الدخول على بيانات الغير بدون إذن، وكسر بعض الحمايات الخاصة به لمعرفة أسراره أو نقلها إلى الآخرين مقابل الحصول على مقابل مادي، أو يكون الغرض الأساسي من ذلك هو معرفة الحسابات المالية الخاصة بصاحب هذه البيانات، ومعرفة أرقامها السرية لسحب بعض هذه الأموال أو كلها، ففاعل ذلك يعد مغتصبًا، كما أن عقوبة المغتصب أشد من عقوبة السارق، لأن السرقة اعتداء على مال الغير فقط.
أما الاغتصاب فهو الاعتداء على مال وحقوق وسمعة الغير بهدف الإضرار به، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»، كما أن هؤلاء الذين يفعلون ذلك ويحصلون على جزء مادي مقابل ذلك، فإن هذه الأموال تعد سحتا، ولذلك فالنار هي مصيره في الآخرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل ما نبت من سحت فالنار أولى به».
وقول المولى عز وجل «ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار * مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء» إلى قوله تعالى «فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام».
أشار السايح أنه في حالة الحرب يجوز فعل ذلك، أو في حالة الاحتياط من أعداء المسلمين، لأن مثل هذا في الحرب يعد ضرورة، ولها استثناءات خصوصًا أن ذلك كان يحدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ففي بعض غزواته أرسل النبي بعض المسلمين لكي يعرفوا عدد العدو، وقد علم الصحابة أن الأعداء يصل عددهم ما بين 900 وألف شخص، ولذلك وضع خطته وأعد العدة على هذا الأساس.
أما الداعية الإسلامي د. عبد الصبور شاهين فيؤكد أن جهاز الإنترنت من الوسائل المستحدثة، وأصبح استخدامه أمرا ضروريا نتيجة لتغيرات هذا العصر، ولذلك فاستخدامه بطريقة شرعية من تحميل برامج أو معرفة بعض الأخبار أو مراسلة الأصدقاء كل هذه أمور حلال لا حرمة فيها.
أما استخدامها بغرض الاطلاع على بيانات الآخر من خلال الدخول على المواقع السرية بهم وفك بعض الشفرات، ومعرفة الرقم السري الخاص بهؤلاء، فهذا أمر يعد من قبيل التعدي على حقوق الغير، لأن الغرض الأساسي من هذا القصد هو إفشاء أسرار الآخرين أو سرقة أموالهم أو غيرها من الأمور الأخرى، وكل هذه الأمور نهى عنها المولى عز وجل في كتابه العزيز «ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا».
أشار شاهين إلى أن حكم هؤلاء الذين يفعلون مثل هذه الأعمال أقوى من حكم السارق، لأن السارق أحيانًا يكون مضطرًا لذلك بسبب شدة جوعه أو أشياء أخرى، أما هذا فهدفه الأساسي من ذلك هو التشهير، والحصول على حقوق الغير، وهذا ما يتنافى مع تعاليم الدين الإسلامي.
وأضاف أن هذه الأمور جائزة في حالة الحرب بين الدول أو في حالة أخذ الحذر من بعض دول الأعداء، والتي تريد تدميرنا في أي وقت، وتنتظر اللحظة المناسبة لتنفيذ مخططها، ولذلك يجب على عامة المسلمين الاحتياط لهذا الأمر، ويحق لهم استخدام كل السبل والوسائل، وذلك لقوله تعالى {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم}.
بدوره يؤكد المفكر الإسلامي د. محمد عمارة إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، ولذلك فكل ما يخص الفرد محرمًا على الآخر، ما دامت هذه الأشياء خاصة به، ولذلك لا يجوز لأحد أن يسترق السمع من بيت جاره أو ينظر إلى ما بداخله، أو يتصنت عليه، بل إن الإسلام أباح للرجل وهو في داره وكان فاتحًا بابه ونظر إليه أحد المارة ليعرف أسرار بيته أن يقذفه بحجر حتى ولو فقأ عينه.
وجعل الإسلام فقأ العين هنا لا دية لها، لأنه اقتحم بها أسرار جاره، كما أن الله جعل الاستئذان من أجل الدخول، ولذلك قال تعالى {لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} والاستئناس هنا بمعنى الاستئذان.
وطالب عمارة جميع مؤلفي الكتب التي يتم دراستها في الجامعات أن يذكروا مثل هذه الأمور في كتبهم لتوعية الطلاب ولمعرفة حكم الدين في مثل هذه المسائل، مشيرًا إلى أن هذه الأمور مشروطة بأن يكون المعتدي عليه مسالمًا، أما إذا كان الأمر يخص معرفة أسرار العدو فهذا أمر جائز، وذلك لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم}.
ويرى د. عبدالفتاح إدريس ؟ أستاذ الفقه المقارن أن فعل مثل هذا الأمر يعد سرقة ومن يعتدي على ممتلكات وحقوق الغير يتساوى عند الله كمن قتل الناس جميعًا، مشيرًا إلى أن الإسلام يحرم هذه الأشياء على الإطلاق لأن فيها إفشاء لأسرار الغير والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة قتات» أي الذي يذيع أسرار الناس.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

