عندما فكرت إحدى الشركات أن تبني برجاً عملاقاً هو الأفضل من نوعه في العالم، قررت أن تستعين بأفضل الخبرات العالمية في مجال الهندسة المدنية، لذا اختارت جيشاً من المهندسين المدنيين من خريجي الجامعات الكندية والأميركية، وكان من بين المهندسين الذين تم اختيارهم المهندس (ر)، وذلك لكفاءته العالية وتصميماته الهندسية الفريدة، فقد صمم وأشرف على بناء العديد من الأبراج في أميركا ودول جنوب شرق آسيا.
كان (ر) شاباً لا يتجاوز عمره (35) عاماً، ومع ذلك فقد كانت خبرته في الهندسة المدنية تساوي مئات السنين، لذا تم اختياره لأن يكون هو المشرف الرئيسي على البرج العملاق.
الانتقال إلى المدينة الجديدة
ترك (ر) عمله في بلاده وانتقل إلى[ حيث مقر البرج، وبعد ثلاثة أشهر أحضر زوجته، حيث لم يمضِ على زواجه منها سوى (6) أشهر. وكانت الحياة تسير بشكل رائع مع المهندس وزوجته (س) في الأشهر الأولى، إلا أن الزوجة بدأت تشعر بالملل وترغب في العودة إلى بلادها، كان المهندس لا يمانع في سفر زوجته، فقد كانت تعمل مع أخيها في مركز للأبحاث على انفلونزا الطيور، إذ إنها خريجة قسم (الميكروبولوجي) من إحدى الجامعات الشهيرة، لذا كانت حياتها منقسمة بين المدينة التي تعمل فيها وتلك التي يعمل فيها زوجها.
وفي أحد الأيام وخلال زيارتها لزوجها طلبت منه أن يؤمن على نفسه وأن تؤمن هي الأخرى على نفسها، واقترحت أن تكون قيمة التأمين (15) مليون دولار عنها و(15) مليون دولار عنه، ورغم أن قيمة بوليصة التأمين كانت عالية إلا أن المهندس كان قادراً على دفعها، فقد كان مرتبه الشهري يتجاوز الثلاثين ألف دولار أميركي.
ومما شجع المهندس على فكرة التأمين أن الشركة التي سيتم التأمين فيها مقرها الرئيسي نيويورك ولها فروع في كافة أنحاء دول العالم، وبالتالي فمن السهل التعامل معها بعد انتهاء العقد في المدينة التي يوجد فيها البرج العملاق.
كانت (س) تقضي مع زوجها يومين أو ثلاثة في الشهر وتتركه مع قطته المدللة (آنا)، حيث كانت القطة هي كل شيء للمهندس لدرجة أنها كانت تنام في سريره لشدة حبه لها. في أحد الأيام تلقت (س) اتصالاً من الشركة التي يعمل فيها زوجها تطلب منها الحضور فوراً وذلك لأن زوجها في حالة صحية حرجة، حيث دخل في حالة غيبوبة. أسرعت الزوجة لكنها لم تتمكن من الوصول في الوقت المناسب فقد توفي المهندس نتيجة لإصابته بالتهاب رئوي حاد.
تحقيقات واسعة جداً
كان موت المهندس بمثابة صدمة حقيقية على الشركة التي يعمل فيها وعلى زوجته وعلى شركة التأمين التي ستدفع مبلغاً قدره (15) مليون دولار في حالة ثبوت موت المهندس كان طبيعياً، لذا طلبت الشركة أن يُسمح لمحقق خاص من طرفها حضور جلسات التحقيق، وأن يطلع على كل صغيرة وكبيرة، وحظي موت المهندس بتحقيق واسع النطاق، وكان للمختبر الجنائي دور فاعل في رفع البصمات وفحص الدم وفحص الحمض النووي (DNA) وفحص البصمات وتصوير المكان بالأشعة فوق البنفسجية.
لكن كل التحقيقات التي اشتركت فيها الأجهزة الأمنية عالية المستوى والمحققين الذين وصلوا من مقر شركة التأمين من نيويورك توصلوا إلى حقيقة مفادها أن المهندس نتيجة إصابته بالتهاب رئوي حاد داهمه فجأة، وأنه لا توجد هناك أية شبهة جنائية.
بعد انتهاء التحقيقات على كافة المستويات والتي استمرت أكثر من عام جاء تقرير الجهات الأمنية بأن المهندس مات بسبب التهاب رئوي حاد، غير معروف المصدر، حيث لم يكن يعاني من أية أمراض بل على العكس من ذلك كان سليماً ومعافى وكان ممن يمارسون الرياضة باستمرار.
إضافة إلى ذلك، أشار التقرير إلى أن المهندس لم يكن قد تناول المشروبات في تلك الليلة، ولأن مندوب شركة التأمين وطبيباً من شركة التأمين كانا يتابعان كل صغيرة وكبيرة ويشرفان بنفسيهما على عمليات الاختبارات المخبرية، فلم تجد الشركة أمامها بداً من أن تدفع للسيدة قيمة بوليصة التأمين البالغة (15) مليون دولار أميركي، فلم تجد الشركة مجالاً للطعن رغم انها حاولت المستحيل للهروب من هذه المصيبة التي وقعت عليها.
بدأ الخبراء في المقر الرئيسي في نيويورك الاتصال مع زوجة المهندس للاتفاق معها على صيغة لدفع قيمة التأمين كان هدف الخبراء في شركة التأمين تخفيض قيمة التأمين إلى (10) ملايين أو (8) ملايين دولار وتقسيط المبلغ على (5) سنوات، حيث ان المهندس لم يدفع للشركة سوى قسطين على شهرين من قيمة بوليصتي التأمين الخاصتين به وبزوجته، وهذا يعني ان الشركة لم تستفد نهائياً منه، وانها ستدفع (15) مليون دولار بدون مقابل.
بعد الاتصالات والمشاورات التي أجرتها شركة التأمين مع زوجة المهندس رفضت المرأة رفضاً قاطعاً أن تتنازل عن أي دولار ولكن كان لا بأس عندها في أن تدفع الشركة المبلغ كله على مدى (3) سنوات.
رفضت الشركة ذلك وبدأت القضية من جديد في إحدى المحاكم في نيويورك حيث أقرت المحكمة من خلال الأدلة والبراهين أن من حق الزوجة ان تحصل على قيمة بوليصة للتأمين كاملة ولكن على أن تقسط تلك القيمة على ثماني سنوات حتى لا تتأذى الشركة نتيجة لدفعها هذا المبلغ الكبير.
بعد حكم المحكمة حاولت الشركة ان تماطل من جديد لكن محامي السيدة رفع قضية على شركة التأمين يتهمها بالمماطلة ويطالب فوائد على المبلغ قدرها 18%، وجدت شركة التأمين نفسها في ورطة، لذا بدأت تدفع للسيدة الأقساط المستحقة لها.
الانجاز العلمي الهائل
حقق المركز الذي تعمل فيه زوجة المهندس انجازاً علمياً هائلاً فقد استطاع المركز ان يفرق بين فيروس الطيور (Hsni) الذي ينتقل عبر الطيور والقطط الأليفة وبين فيروس (H3n2) الذي يصيب الإنسان.
وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس المركز تحدث عن هذين النوعين من الفيروسات قائلاً بأن المركز أجرى لسنوات تجارب على فيروس (Hsni) الخاص بانفلونزا الطيور حيث تبين ان هذا الفيروس يمكن ان ينتقل إلى الإنسان عن طريق القطط الأليفة وفي اليوم التالي للمؤتمر كان رئيس المركز وفريقه البحثي العلمي بما فيهم زوجة المهندس تملأ الصفحات الأولى للصحف اليومية وكان هذا الاتجاه العلمي حديث وسائل الإعلام.
في خطوة ذكية التقط احد محامي شركة التأمين هذه الإشارة حيث عاد إلى الكمبيوتر الذي يحتفظ فيه بكل تفاصيل قضية المهندس فوجد بأن فريق البحث الجنائي عندما دخل شقة المهندس وجده نائماً في سريره ميتا وبجانبه قطته المدللة ميتة هي الأخرى لكن احدا لم ينتبه إلى أن هناك علاقة بين موت المهندس وقطته، ففي تلك الفترة من الزمن لم يكن العلم قد توصل إلى علاقة القطط بفيروس (Hsni) لذا لم يكن هناك أي رابط بين موتها في نفس السرير.
على الفور طلب محامي الشركة إعادة التحقيق في القضية حيث اتهم زوجة المهندس بأنها هي التي قتلته لأخذ قيمة بوليصة التأمين لكن لم يكن لديه الدليل المادي فقد مات المهندس بعد سفرها بأكثر من شهر، وهنا دخلت القضية في مسارات علمية شائكة من حيث احتضان القطط للفيروس وطريقة وصول الفيروس إلى قطة المهندس.
خاصة وان المدينة التي كان المهندس فيها لم تسجل بأن أي قطة ماتت بهذا الفيروس، ليس هذا فقط بل ان أحدا لم يمت من البشر في المدينة التي كان يعيش فيها المهندس بهذا الداء، لذا كانت القضية في غاية الصعوبة لإثبات ان زوجة المهندس هي التي قتلته لأخذ قيمة بوليصة التأمين.
استمرت المساجلات في المحاكم عدة أشهر حيث طلب محامي الشركة من القاضي الاطلاع على الأبحاث العلمية الخاصة بهذا الفيروس والتي جرت في المركز العلمي الذي تعمل فيه زوجة المهندس.
تمكن محامو الشركة من الاطلاع على الأبحاث العلمية حيث اشارت التقارير ان التجارب المخبرية التي جرت على نقل فيروس (Hsni) إلى القطط تمت في الفترة نفسها الزمنية التي مات فيها المهندس وان تقارير المختبر الجنائي في المدينة التي مات فيها المهندس كانت قد ذكرت ان القطة (آنا) كانت مصابة بنفس الفيروس، لكن احداً لم يهتم للأمر لأن الأبحاث العلمية في تلك الفترة لم تكن قد توصلت إلى علاقة القطط بهذا الفيروس وان الأبحاث العلمية كانت تركز على علاقة القرود وليس القطط بفيروس (Hsni). كانت الشركة تدافع عن وجودها فلو خسرت القضية فقد تطلب زوجة المهندس تعويضاً يصل إلى مئات الملايين من الدولارات إضافة إلى انتهاء سمعة الشركة في الأسواق العالمية.
إعادة التحقيق
نتيجة للمعطيات التي قدمتها الشركة تم إعادة فتح التحقيق حيث اتهمت الشركة زوجة المهندس بأنها وراء قتله بطريقة أو بأخرى. تم إخضاع زوجة المهندس للتحقيق حيث أنكرت أية علاقة لها بموت زوجها حيث كانت علاقتهما ممتازة ولم يمض على زواجهما فترة طويلة حتى يكون بينهما مشاكل، لكن وكيل النيابة كان يمكن ان لا يجد علاقة بين مقتل المهندس وزوجته لولا بوليصة التأمين لذا تم إخضاع زوجة المهندس لتحقيقات غاية في التعقيد.
ولسوء حظ تلك المرأة ان الأجهزة الأمنية كانت قد توصلت إلى جهاز جديد لكشف الكذب هو جهاز (L.D.System) وتقنية هذا الجهاز تقوم على أنه تم تحديد خلالها الدماغ المسؤولة عن الكذب وتم تكوينها باللون الأزرق الفاتح لفصلها من الخلايا الأخرى.
وعند ربط رأس الإنسان بجهاز الكمبيوتر ويبدأ يجيب عن أسئلة المحققين بالكذب فإن لون هذه الخلايا يتحول من اللون الأزرق الفاتح إلى الأزرق الغامق، وكلما زادت نسبة الكذب كلما زاد لون تلك الخلايا قتامة حتى تتحول إلى اللون الأسود.
تم إخضاع السيدة لجهاز (L.D.System) لأكثر من مرة وتم إخضاعها لجهاز الـ (Polygrgh) كما تم اخضاعها للغة الجسد وفحص زيادة نسبة (الادرنالين) في دمها حيث دلت تلك الاختبارات على أنها تكذب.
وجدت المرأة بأنها لا تستطيع الهروب من فعلتها فقد حاصرتها الأجهزة العلمية من كل جانب ولكونها تعمل في المجال العلمي فهي تعرف أكثر من غيرها اثر تلك الأجهزة على كشف الحقيقة.
وأخيراً بدأت بالاعتراف حيث قالت بأنها لم تكن على علاقة جيدة بزوجها، فقد كان زوجها رياضياً وكان لا يقترب من سريرها الا مرة أو مرتين في الشهر وذلك خوفاً علي (تدمير جسمه) كما كان يقول.
وأضافت لقد حاولت الانفصال عنه ولكن تعيينه في العمل في الشركة التي تبني البرج العملاق والمرتب الخيالي الذي كان يأخذه جعلني أتروى قليلاً، حتى خطر في بالي الخلاص منه بطريقة علمية مدروسة بعد أن أقنعه بالتأمين على نفسه، وقد وافقت الشركة على مبلغ التأمين لأن أطباءها فحصوه فوجدوه في منتهى الصحة والعافية، وعندما صارحت أخي بما أفر فيه نصحني بحقن قطة زوجي بفيروس (Hsni) والذي كان لا يزال تحت التجربة حيث أحضرت الحقنة معي وفعلاً تم حقن القطة بها.
وقالت كنت أعرب بان زوجي سيصاب بالفيروس قريباً وسيموت وقد تأكد لي ذلك عندما كان يتصل بي ويقول انه يعاني بعض الآلام في جهازه التنفسي وفي الحق فكنت أقول له ان كل ذلك نتيجة للغبار الناجم عن البناء ومن ذرات الاسمنت فكنت أصف له بعض الأعشاب التي كنت اعرف مسبقاً بأنها لن تفيد أبداً، واطلب منه غليها وشربها كما كنت اطلب منه ان يضع كمامة على انفه وفمه وهو في موقع العمل.
وأضافت لقد كنت أعرب الوقت الذي سيموت فيه بالضبط لأن التجارب العملية التي أجريتها على الفيروس كانت قاطعة وحاسمة وكانت تؤكد انه هذا الفيروس يمكن ان ينتقل إلى الإنسان عن طريق القطط الأليفة. ثم اعتقال أخ زوجة المهندس وتوجيه تهمة القتل حيث شارك أخته في قتل زوجها. من جانبها بدأت شركة التأمين تطالب بالمبالغ التي دفعتها لزوجة المهندس حيث أقامت عليها دعوى قضائية بحجة النصب والاحتيال.
إعداد ـ أحمد سلطان
