هناك حكمة بالغة في التفاوت بين الناس في الحظوظ، بل يعتبر هذا التفاوت نعمة، فقد اقتضت حكمة المولى عز وجل أن يتفاوت الناس وأن تكون بينهم فروق في قدراتهم وطريقة تفكيرهم وفي بسطة العيش وضيقه وفي القوة والضعف والصحة والمرض.
يقول الحق سبحانه وتعالى: «أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر».«الزمر 52». طوبى لمن طاب كسبه ورضي بما قسم الله له ولم يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله وعلم أن أقدار الناس وحظوظهم تسير وفق مشيئة الله تعالى ومشيئته سبحانه فوق مشيئة البشر، فهو سبحانه وتعالى قدر للناس حظوظهم وجعل لتنفيذها موعداً غير أن هناك من تتحرك نوازع نفسه الشريرة إلى الاعتراض على ما قضى الله وقدر ويختلق للحيل لتحقيق رغباته رغم أن الله سبحانه وتعالى لم ينسه وأعطاه الكثير من متاع الحياة لكنه الطمع وعدم القناعة.
قال تعالى: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون. «الزخرف 32». قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل أن يوقن أن الأشياء كلها قد فرغ منها، فمنها ما هو كائن لا محالة وما لا يكون فلا حيلة للخلق في تكوينه، فإن دفعه الوقت إلى حال شدة يجب أن يتزر بإزار له طرفان، أحدهما الصبر والآخر الرضا، ليستوفي كمال الأجر لفعله ذلك.
وقال بعضهم دخلنا على رابعة العدوية فذكرنا أسباب الرزق، فخضنا فيه وهي ساكتة، فلما فرغنا قالت رابعة: خيبة لمن يدعي حبه ثم يتهمه في رزقه قال تعالى: والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادِّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون. «النحل 71».
الدنيا دار بلاء وامتحان
قال تعالى: «وجعلنا بعضكم لبعضٍ فتنة أتصبرون» فالصحيح فتنة للمريض والقوي فتنة للضعيف والغنى فتنة الفقير وأصحاب البلايا يقولون: لم لم تعاف؟ والأعمى يقول لم لم أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة. والعاقل الحكيم هو الذي يعتقد أنه لا راد لقضاء الله ويصير ويحتسب رجاء ما هو أبقى وأنفع. ولا يجب أن يحزن لما يهوى وليس بكائن ولما لا يهوى وهو لا محالة كائن. إن الحق سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب لحكمة، ويمنع لحكمة وكل شيء عنده بمقدار.
فالطامعون في أرزاق الآخرين لا يعلمون أن إقبال الدنيا قد يكون شراً. قال تعالى: وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ولجهلهم بهذه الحقيقة فإنهم ينظرون إلى ما في يد الغير نظرة حسد وحقد وقد نهى الإسلام عن ذلك قال أبو حاتم رضى الله عنه: من نازعته نفسه إلى القنوع ثم حسد الناس على ما في أيديهم فليس ذلك لقناعة ولا لسخاوة، بل لعجز وفشل فمثله كمثل حمار السوء الذي يعرج بخفة حمله، ويحزن إذا رأى العلف يؤثر به ذو القوة والحمل الثقيل، فالقانع الكريم أراح قلبه وبدنه، والشَرِه اللئيم أتعب قلبه وجسمه، والكرام أصبر نفوساً واللئام أصبر أحساداً.
يقول الشاعر:
فلسْتُ براءٍ عيْب ذي الودِّ كُلَّهُ
ولا بعضَ ما فيه إذا كنت راضيا
وعين الرِّضا عن كل عَيْبِ كليلةُ
ولكن عين السخط تبدي المساويا
على العاقل أن يرد مصاير الأمور إلى مدبرها الأعظم، وليملك نفسه، فلا يعطي فرصة لآخر كي يستعلي ويستكبر فإن كل أمرٍ بقضاه. قال تعالى: ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم.«فاطر 2».
حامد واكد