قصة ذي القرنين مثل القصص الكثيرة الواردة في القرآن الكريم، تهتم بالعظة والعبرة، ولا تهتم بالمكان أو الزمان اللذَيْن وقعت فيهما القصة، بينما عبرها ودروسها صالحة لكل الأزمنة والأمكنة، شأنها شأن الإسلام ديناً ومنهجاً للحياة،..إذن فالدرس الأول الذي يجب استيعابه من هذه القصة يكمن في فهم أسس سنن الله عز وجل في الأرض.
لا تسود أمة إلا بإذن الله ولا تزول أمة إلا بإذن الله. ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) آل عمران:26
وهناك من الأمم من يمكن الله لها فتأخذ بأسباب التمكين فيزيدها الله ثباتا وتمكينا فإن فرطت أذهب الله عنها التمكين. وهناك من الناس من إذا مكن الله له أخذ بوسائل التمكين فزاده الله رفعة ونصرا فإن فرط في هذه الأسباب والوسائل أمر الله عز وجل بزاوله وهلاكه. في كل مرة وردت لفظة التمكين في القران العظيم تنسب إلى الله رب العالمين، وهذه القاعدة البلاغية تؤصل في القلوب قاعدة إيمانية.
فالذي يُمَكِّن للدول والأمم والشعوب هو الله، فيجب علينا جميعا أن نعلق قلوبنا بالملك الذي يفعل كل شيء، مع الأخذ بالأسباب فهذا من حقيقة التوكل على الله. يقول عز وجل عن العبد الصالح (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرض وَءَاتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا) أي أخذ بهذه الأسباب والوسائل للتمكين والنصر والفتح والظهور. (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرض أَقَامُوا الصَّلاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ) الحج:41
ومعنى آتيناه مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا أي أعطيناه من الأسباب ما يستطيع أن يفتح وأن ينتصر وأن يجوب البلاد شرقا وغربا.
تشير قصة «ذي القرنين» إلى أن الأرض لله يورثها من يشاء، والمؤمنون المصلحون هم الأولى بهذه الوراثة، وأن الله تعالى لا يزال يبعث من عباده رجالا أقوياء يقومون بنصرة المظلومين والمستضعفين. فكيف يمكن للمسلم أن ينفّذ منهج الله عز وجل في الأرض، فيحقق بذلك النصر والعدل والرخاء والسعادة للبشرية؟!.. وقبل ذلك يحرّر نفسه وأمّته من تسلّط الأرباب المزيَّفين، ومن هيمنة العدوّ وجبروته وطغيانه؟!..
الجواب في قول الله عز وجل: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً) (الكهف:84). لكن ما عناصر التمكين التي يجب أن يمتلكها المسلم حتى يتحرَّر وينتصرَ على عدوّه ويظهرَ عليه؟!..- الله عز وجل يجيب: (.. وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً)، أي: آتينا الملكَ الصالِحَ ذا القرنين أسباب التمكين كلها..
ثلاثية النصر والتمكين:الأخلاق الفاضلة.. والقوّة المادية والعلمية الممكنة..والتوكّل على الله
قوّة الحكم والسلطة والسلطان..وقوّة الوسائل والأدوات اللازمة لحماية حكم الله في الأرض..وقوّة العلم والانفتاح على الكون واستخراج ما يمكن (بالعلوم المختلفة) أن يدعّمَ به الإنسانُ المسلمُ سلطةَ المنهج الربّانيّ في الأرض، حتى لا يتغلب عليه العدو في ذلك!..
فلننظر إلى الكلام الدقيق المجمل الذي يختصر كل ذلك بأسلوبٍ قرآنيٍ إلهيٍ رائع: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ..) أي أيدناه ومددناه بالتمكين والعلوّ في الأرض، لكن كيف؟!.. (.. وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً)!.. أي منحناه كل أسباب الظهور والعلوّ في الأرض. والقرآن الكريم يريد أن يعلّمنا بأن كل أمرٍ في هذه الدنيا لا يمكن أن يسير إلا وفق مشيئته سبحانه وتعالى، وحسب قوانينه ودستوره فقال: (.. وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً).
أحمد عبد المجيد