حذر عدد من العلماء الأزواج من إطلاق ألفاظ الطلاق حتى لا يوقعوا أنفسهم في كثير من المحظورات الفقهية وبما يترتب عليها من تبعات تؤثر على حياة أسرتهم وأولادهم، وقد جاء ذلك بعد أن أصدر الدكتور أحمد السايح الأستاذ بكلية أصول الدين جامعة الأزهر فتوى مؤداها «إن الطلاق اللفظي لا يقع حتى لو قال الزوج لزوجته أنت طالق ألف مرة، فما دام لم يذهب بزوجته إلى المأذون ومعه اثنان من الشهود ليطلقها أمامهم فالطلاق لم يقع، وللزوجين أن يستمرا في حياتهما الزوجية، وكأن شيئًا لم يكن».

هذه الرؤية الفقهية أثارت العديد من التساؤلات، خاصة أنها تتعلق بمستقبل الأسرة المسلمة، وما يترتب على الأخذ بتلك الفتوى من أحكام؛ لذلك فقد رفضها بعض العلماء، واعتبروها اجتهادًا مرفوضاً، مستندين إلى الثابت عند الجمهور من أن الطلاق اللفظي الصريح يقع لا محالة، وتترتب عليه أحكام معروفة، بينما اعتبر البعض الآخر أن الفتوى ما هي إلا من باب الاجتهاد.

في هذا السياق يصف الدكتور محمد رأفت عثمان - أستاذ الفقه المقارن، وعضو مجمع البحوث الإسلامية هذه الفتوى بالاجتهاد المرفوض مؤكدا: هذا اجتهاد مرفوض بالطبع لأنه يحلل الحرام، وهو بقاء الزوجة مع زوجها بعد أن ألقى عليها يمين الطلاق، وهو اليمين أو اللفظ الذي لا يحتمل لبسًا، ومن المعروف أن أحد صيغ الطلاق هو الصريح الذي لا يشترط فيه النية، وبالتالي لا يجب الاستهانة بحدود الله بمثل هذا الاجتهاد المرفوض شرعًا وعقلاً.

وعن آيات سورة الطلاق التي استند إليها السايح في قوله تعالى{يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله..}، يؤكد عثمان أنه متى تلفظ الزوج بألفاظ صريحة لا تقبل التأويل أو اللبس وقع الطلاق، وهذا ما اتفق عليه جمهور الفقهاء منذ القدم حتى الآن، وطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، وكذلك الخلفاء الراشدون الذين لم يشترطوا الشهادة على الطلاق أو توثيقه.

وعن تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية، قال أستاذ الفقه: أباح الله تعدد الزوجات وقصره على أربع، وأوجب العدل بينهن في الطعام والمسكن والكسوة والمبيت من غير تفرقة، فيقول تعالى{ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة...}.

أضاف أن الشريعة الإسلامية واستقرار قواعدها تفي بحاجات المجتمع، وتسد حاجات الناس ورغباتهم، وما يدل على ذلك أنها أصبحت راسخة بمرور الزمن فلا يستطيع أحد أن يشكك في قواعد الشريعة الإسلامية سواء بالاجتهاد أم غيره. وفي نفس السياق يرى الدكتور منيع عبدالحليم محمود - العميد الأسبق لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر أن الفتوى بشكل عام تدخل في باب الاجتهاد الذي يتعاطف مع المرأة، لكنها جاءت للأسف في مجال لا ينفع فيه الاجتهاد، وبهذه الصورة التي تتعارض مع كل ما أكده الفقهاء القدامى والمحدثون على السواء.

لهذا يعتبرها الدكتور منيع فتوى مرفوضة جملة وتفصيلا، ولا تحمل أي أساس من أسس الشريعة الإسلامية، بالرغم من أن الزوج قد يكون ظالمًا للزوجة عندما ألقى لفظ الطلاق عليها، إلا أن الفتاوى عندما تصدر يجب أن تكون تطبيقًا للشرع، ومادام الزوج قد نطق بلفظ صريح للطلاق، وليس هناك أي موانع شرعية، فإن هذا الطلاق يكون واقعًا، خاصة أنه منطوق بلفظ صريح.

يضيف: في هذه الحالة يمكن القول: ماذا سيفعل المأذون إذا كان الزوج نطق باللفظ الصريح للطلاق هل يجبره على أن يظل متزوجًا؟ وهل هناك أي موانع قانونية؟ وحتى لو وجدت الموانع فإن الطلاق قد وقع، وبالتالي فإن إقامة الزوجين مع بعضهما بعد ذلك حرام، والله عز وجل يقول{وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته}.

بدوره بين الدكتور أبو سريع عبدالهادي أستاذ الشريعة الإسلامية أن الدليل الوحيد الذي استند إليه صاحب تلك الفتوى هو قول الله تعالى{وأشهدوا ذوي عدل منكم}، قائلاً: إن الأمر هنا في الآية يفيد الوجوب، ومن ثم فالإشهاد على الطلاق واجب، ثم أكد أن هذا القول هو الذي تؤيده مقاصد الشريعة محافظة على كيان الأسر المسلمة من التشتت والضياع.

ويتابع عبد الهادي: الكلام السابق للصحاب الفتوى مردود عليه بأكثر من دليل:

الأول: علماء الأمة سلفًا وخلفًا قالوا إن الأمر بالإشهاد الذي أشارت إليه الآية السابقة ليس على الطلاق، وإنما الأمر بالإشهاد هنا على الرجعة وسياق الآية يوضح ذلك بل وقع الخلاف في حكم الإشهاد على الرجعة، هل واجب أم مندوب؟ وجمهور الفقهاء حملوا الأمر على الندب.

الثاني، كما يوضح أبو سريع، أنه من القواعد المسلمة عند علماء الأصول أن الإجماع لا يخرق إلا بإجماع مثله فكيف خرق الدكتور السايح هذا الإجماع الذي نقله لنا عالمان من خيرة علماء الأمة الإسلامية فقد نقل كل من شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام الشوكاني الإجماع على أن الآية التي سبقت الإشارة إليها محمولة على أن الإشهاد مأمور به عند الرجعة، وليس على الطلاق.

ثالثًا: أما القول إن الإشهاد على الطلاق واجب لأن هذا يتفق مع مقاصد الشريعة فيؤكد عبدالهادي أنه يرفض هذه الدعوى جملة وتفصيلاً؛ لأن فيها اتهام صريح لعلماء الأمة سلفًا وخلفًا أنهم يطلقون الأحكام دون وعي منهم، وإدراك بمقاصد الشريعة الإسلامية.

وعلى خلاف ما سبق قالت الدكتورة سعاد صالح العميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية للبنات بجامعة الأزهر: يحرص الإسلام على استمرار مؤسسة الزواج والأسرة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ويظل يتلمس الأسباب الشرعية التي تتيح استمرار هذه العلاقة الزوجية، وتتابع قائلة: ولأننا نعيش في عصر قل فيه الوازع الديني، وخربت فيه الذمم؛ فقد وجب الاجتهاد وفق ضوابط النصوص الشرعية لمواجهة هذا الطوفان من عمليات الطلاق التي تتم لأتفه الأسباب، وتدفع ضريبته الأم والأولاد الذين يتعرضون للضياع.

وترى صالح أن هذه الفتوى اجتهاد يحقق مقاصد الشريعة للحفاظ على الأسرة، خاصة أن النص القرآني المذكور من بداية سورة الطلاق يدعم هذا الاتجاه، فضلاً عن أن الله أمر بالإشهاد على كتابة الديون، وبالطبع فإن الإشهاد على الطلاق وضرورة توثيقه عند المأذون لحماية حقوق الزوجة. وتوضح أن هذا ليس اجتهادًا شاذًا، وإنما هو رأي بعض الفقهاء لتحقيق الغاية النبيلة في الحفاظ على الأسرة، وعدم هدمها لمجرد النطق بلفظ أنت طالق.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية