عرفت المجتمعات البشرية منذ القدم فكرة العمل التطوعي ومساعدة الجماعة للأفراد في انجاز أعمال خاصة بهم مثل بناء البيوت أو جني المحاصيل الزراعية وغير ذلك، وكانت طرق عملها عفوية ثم جرى تنظيم فكرة العمل التطوعي وإنشاء الجمعيات الخاصة بها. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة نظم القانون الاتحادي رقم «6» لعام 1974 عمل جمعيات العمل التطوعي وجمعيات النفع العام والتي يزيد عددها على 114 جمعية.
وحدة الدراسات في «البيان» عقدت ندوة بعنوان «المرأة والعمل التطوعي في دولة الإمارات العربية المتحدة.. عطاء بلا حدود» دعت لها مجموعة من رائدات الحركة التطوعية وذوي الاختصاص والإعلاميات لمناقشة واقع العمل التطوعي في الدولة ومدى المنجزات المادية والمعنوية التي تم تحقيقها والمشاكل التي تعترض طريقها نحو تحقيق رسالتها السامية وذلك وفق المحاور التالية:
* المحور الأول: بدايات العمل التطوعي في الإمارات والصعوبات التي واجهت المراحل الأولى.
* المحور الثاني: طبيعة عمل الحركة التطوعية ومنجزاتها العملية والتنسيق مع المؤسسات الحكومية والشعبية.
* المحور الثالث: طموحات الحركة التطوعية وكيفية تفعيل دورها للوصول إلى تحقيق أهدافها في تقديم أفضل الخدمات للمجتمع الإماراتي.
في الجزء الأول من الندوة أكدت المشاركات أن الانخراط في العمل التطوعي هو رد ولو لجزء بسيط من الجميل للمجتمع، وانه يجب التوسع في نشر ثقافة العمل التطوعي وتحفيز الشباب خاصة على المشاركة في أعمال التطوع. وفي هذه الحلقة ننشر الجزء الأخير من الندوة وتاليا التفاصيل:
* د.محمد المطوع: نرغب الانتقال إلى المحور الثاني من الندوة والذي يتضمن ما تم انجازه في المرحلة الماضية من أعمال تطوعية. ولو نظرنا إلى جمعية الاجتماعيين واتحاد كتاب وأدباء الإمارات مثلا فقد أصدرت جمعية الاجتماعيين أول مجلة علمية محكمة هي شؤون اجتماعية كما اصدر اتحاد الكتاب مجلة شؤون أدبية ودراسات كجزء من ترسيخ العمل التطوعي والمفهوم العلمي وتقديم الخدمات للأعضاء وللمهتمين بالجانب الاجتماعي والأدبي، كما شهدت الفترة الماضية عقد العديد من المؤتمرات المتخصصة في مجالات الثقافة والتعليم والمرأة.
جمعية نهضة المرأة
* فاطمة السري: من خلال عملي في جمعية نهضة المرأة في دبي كانت بدايتنا في غرف صغيرة ولكن الحماس كان كبيرا ودفعنا للخروج إلى المجتمع والقيام بحملات توعية صحية وتعليمية لمحو الأمية وعقد دورات خاصة للسيدات في تحفيظ القرآن والخياطة والفنون، ثم تطور دور الجمعيات لتصبح شريكا فاعلا في التنمية وشجعت الدولة جمعيات المرأة على فتح فروع لها في الخوانيج وحتا والفهيدي .
وقد تطورت الانجازات لمواكبة عصر العولمة والتكنولوجيا وإنشاء جائزة خاصة بإبداعات الطفولة، ولكن علينا الآن إعادة النظر في دور الجمعيات التطوعي وتشجيع الانخراط فيه بوضع خطط واستراتيجيات في هذا المجال. ومن الجمعيات الناشطة في مجال العمل التطوعي جمعية المرشدات والكشافة، فقد اشتركنا فيها منذ كنا طلبة في المدارس وكنا نشارك في أنشطتها المحلية والدولية وقد أدت كبيرا بعكس الدور الهامشي والبسيط الذي نراه اليوم، وحتى المدارس ما عادت تهتم بعمل الجمعية.
* مريم يماني: سأتكلم عن جمعية أم المؤمنين في عجمان ولجنة التوعية والتثقيف البيئي في الشارقة، فجمعية أم المؤمنين من أوائل الجمعيات التي امتهنت العمل التطوعي واستطاعت القيام ببرامج تحتاجها المرأة وعقد مؤتمرات ودورات كثيرة لتحفيظ القرآن مثلا وتنظيم صالات الأفراح والتعليم المسائي بالإضافة للتواصل مع مؤسسات خارج الدولة للاستفادة من خبراتها مثل الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، كما تبنت منهجية الشراكة مع المؤسسات الحكومية وجمعيات النفع العام والجمعيات النسائية خاصة الموجودة في الدولة.
وقد أفادها هذا التواصل في تطوير مستواها ومستوى متطوعيها في بناء قدرات الموظفين والمتطوعين وأعضاء مجلس الإدارة وذلك بهدف الوصول إلى مستوى الاحتراف في عملها. وبالنسبة للجنة التثقيف البيئي في الشارقة فهي رغم حداثة نشأتها استطاعت تقديم أمور هامة في مجال التوعية ولديها دورة تثقيف بيئي تقدم سنويا للطلبة بهدف غرس حب العمل البيئي، كما تقوم اللجنة بحملات توعية لمرتادي المناطق البيئية بهدف ردع العبث بالبيئة البرية، كما تتواصل اللجنة مع الجهات البيئية الأخرى في الدولة.
خدمات مهمة
* ريم عبيدات: بالنظر إلى خارطة العمل التطوعي في العالم ككل هناك أشكال متنوعة منها الطارئ والدائم وهو الأكثر مؤسسية، وللأسف فإن العمل التطوعي العربي في مجمله عمل طارئ بدأ مع بدايات نشأة دولة، وقد أفرزت ظروف الدول العربية حالة متشرذمة من العمل التطوعي فلو قارنا بين أي حي في مدينة عربية وآخر في دولة متقدمة نلاحظ الفرق الشاسع في شكل العمل التطوعي الذي يقوم به الناس، ومع ذلك أدى العمل التطوعي العربي خدمات هامة في مجالات العمل النسوي وذوي الاحتياجات الخاصة ومحو الأمية ومعالجة مشاكل الحروب والنزوح.
لكن لم يحصل أي تقدم في العمل التطوعي العربي بعد ذلك نظرا لعدم دعم الدول له ووضعه على جداول ميزانياتها وتنميته، وهذا دفع الأفراد لفقد حماسهم للعمل التطوعي وأصبح الحافز هو المردود المادي، بالإضافة لتعقد مشاكل الحياة اليومية، ولم يتم الاستفادة من التجارب الأكثر خبرة في مجال العمل التطوعي فيما حرمت القوانين في بعض الدول العربية غير أبنائها من الانخراط في العمل التطوعي.
د.محمد المطوع: أتاحت دولة الإمارات العربية المتحدة الفرصة لجميع المواطنين والمقيمين على أرضها للانخراط في صفوف العمل التطوعي وجمعيات النفع العام ولكن لا يحق للمقيمين الترشيح والانتخاب لهذه الجمعيات، من ناحية ثانية فإنه في كل مرحلة صار هناك تطور في عمل الجمعيات فمثلا برزت جمعية الحقوقيين وجمعية حقوق الإنسان وجمعية توعية الأحداث وجمعية الصيادين وجمعية المهندسين وغيرها وذلك بفضل تطور المجتمع الداخلي.
كما تفاعلت مختلف الجمعيات مع الهم الداخلي والخارجي، إذ أصدرت جمعيات النفع العام في السبعينيات المذكرة المشتركة تتضمن رؤيتها حول أهم القضايا المحلية مثل التركيبة السكانية والجوانب السياسية والاجتماعية، كما تفاعلت هذه الجمعيات مع كان يجري في جنوب لبنان ومع الانتفاضة الفلسطينية الأولى وخلال احتلال الكويت.
كما جرى خلال تلك الفترة التنسيق بين الجمعيات والمؤسسات الحكومية حول عقد بعض المؤتمرات والأنشطة وكانت حلقة الوصل شبه دائمة. كما علينا أن لا ننسى دور رجال الأعمال في دعم جمعيات النفع العام إيمانا منهم بدور هذه الجمعيات.
مشاركة محلية وخارجية
* مريم يماني: شاركت جمعيات النفع العام في كل القضايا العربية والإنسانية التي تهم دولة الإمارات مثل احتلال الكويت وحرب لبنان والحرب الأخيرة على غزة وشاركت جمعيات النفع العام والهلال الأحمر والجمعيات الخيرية في حملات الإغاثة والتضامن.
وندرك أن مسؤولية التنمية تقع على عاتق القطاعات الحكومية والخاصة والتطوعية ولكن نرى بعض القصور في جانب القطاع التطوعي في مجال التنمية، فهذا القطاع يوفر فرص عمل لأبناء المجتمع، ونحن نعذر الجمعيات في بداية عملها لبناء نفسها ولكن بعد ذلك تبدأ في الإنتاج وتقوم بمسؤولياتها المنتظرة منها.
د.محمد المطوع: في المحور الأخير سنتناول الأماني والطموحات لكيفية الخروج من أزمة العمل التطوعي وتطوير الخدمات لمجتمع الإمارات.
ريم عبيدات: نحن بحاجة أولا لعمل شراكة حقيقية مع أنفسنا كمتخصصين في العمل التطوعي والمجتمعي المدني لتحويله إلى عمل احترافي موحد الجهود وكذلك عمل شراكات استراتيجية مع دولنا وحكوماتنا، وهنا أسجل لدولة الإمارات ما هي فيه من انفراج وانفتاح لمؤسسات كبرى لدعم كافة أعمال النشاط الثقافي والمعرفي بصورة قد لا يوجد لها مثيل في الدول العربية حيث أقيمت المؤسسات الكبيرة لخدمة المعرفة والتنمية المجتمعية، وعلى المجتمع المدني الاستفادة من هذه الفرصة السانحة.
كما أننا بحاجة لإعادة النظر في قوانيننا ومقوماتنا الاجتماعية ومكوناتنا الحضارية ونطمح بتحويل العمل التطوعي إلى عمل شمولي وتخصصي وله أجندته وهذا لا يتم إلا بتغيير طريقة عملنا كأفراد بحيث يقوم عليه المحترفين مع مراعاة الأولويات المجتمعية التي تغيرت كثيرا وما نواجهه من تحديات. من ناحية أخرى علينا الاهتمام بالبعد الأسري وتدريب الأبناء على العمل التطوعي.
* فاطمة السري: برزت عندنا ظاهرة جديدة مع إنشاء جوائز الإبداع وهي اشتراط وجود أعمال تطوعية للمتقدمين لهذه الجوائز وبما أن معظم المتقدمين لا يشاركون في أعمال تطوعية فإنهم يطلبون من جمعيات النفع العام الحصول على شهادة بالتطوع، ونأمل هنا بأن يتغير مفهوم العمل التطوعي وخلق جيل جديد يؤمن بفكرة التطوع، وان يتم ترسيخ مفهوم وحب التطوع في الأبناء منذ الصغر، وان يتجه من لا يجد عملا حاليا إلى العمل التطوعي لاكتساب الخبرة حتى يجد الوظيفة.
* مريم يماني: هناك جمعيات استطاعت أن تطور نفسها وتثبت ذاتها بينما بقيت غيرها تراوح مكانها والعاملون فيه أشبه بحراس المتاحف، فيما بعض الجمعيات تحولت إلى جمعيات احتفالية ونسيت أهدافها. وطموحنا أن يكون طموح المؤسسة مساويا لطموح المجتمع وان يكون هناك تنمية مستدامة وان تقوم المؤسسات بتصحيح مسارها وتقييم أدائها وإدخال تعديلات على هيكلها التنظيمي.
والاهتمام بالجانب البشري من متطوعين وأعضاء إدارة وان يكون الولاء اكبر للمؤسسة وتقديم مشاريع ناجحة تحقق الأهداف، ويجب أن تكون مجالس الإدارة متجانسة وتعمل بروح فريق العمل الواحد لقيادة المؤسسة نحو النجاح مع الاهتمام بضرورة وجود المدير التنفيذي لكل مؤسسة والتعامل مع المتطوعين لخلق كوادر محترفة منهم والاستفادة من خبرات الرعيل الأول ومن خبرات الدول الأخرى والتواصل معها.
جائزة العمل التطوعي
* د.محمد المطوع: الجانب الايجابي هنا هو إنشاء جائزة العمل التطوعي في الشارقة لتكريم من ساهم في العمل التطوعي وهذه لفتة كريمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في التركيز على أهمية العمل التطوعي، ومن خلال هذه الندوة نتقدم بدعوة لتفعيل نشاط أعضاء جمعيات النفع العام بعد تركهم لمناصبهم للاستمرار بالقيام بدورهم. ونحن بحاجة لإعادة النظر في تجربة أكثر من 35 عاماً في العمل التطوعي وخلق آليات وقنوات جديدة للتواصل مع الجيل الجديد حتى يستمر العمل ولا تتكرر الوجوه نفسها.
التطوع البيئي
* حبيبة المرعشي: هناك عدة أساليب للارتقاء بالعمل التطوعي البيئي منها:
* تعريف أفراد المجتمع بماهية التطوع البيئي.
* إبراز دور العاملين في التطوع البيئي.
* صياغة إستراتيجية مشتركة للعمل التطوعي.
* التنسيق بين المؤسسات البيئية.
* بناء قدرات المنظمات والمؤسسات التطوعية المجتمعية وبناء قدرات المتطوعين.
* تعزيز دور مؤسسات التعليم والإعلام.
* تقوية العلاقة بين القطاع التطوعي والقطاع الخاص.
* الاتصال والتواصل بين الأجيال.
* الاهتمام بالبحث العلمي.
* إنشاء لجنة العمل التطوعي بهدف اجتذاب وتدريب وتفعيل دور المتطوعين.
* الاهتمام بالأبعاد الأخلاقية والدينية للتطوع وغرسها في نفوس المتطوعين.
مجموعة الإمارات للبيئة
تعمل مجموعة الإمارات للبيئة على نشر الوعي البيئي وروح التطوع لدى أفراد المجتمع عن طريق دعوتهم للتطوع في الحملات والبرامج البيئية المختلفة التي تنظمها بشكل دوري وإشراك المتطوعين في المساهمة في التحضير والتنسيق لهذه البرامج مع تخصيص جوائز لأصحاب أكبر ثلاث مساهمات في برنامج المجموعة لإدارة النفايات.
ودعم وترسيخ مفهوم العمل التطوعي البيئي لدى الناشئة عن طريق برامجها التي تستهدف المدارس مثل حملة المليون شجرة وبرنامج إدارة النفايات وحملة نظفوا الإمارات، بالإضافة إلى المحاضرات المتنوعة التي تقدمها.واستطاعت المجموعة وبمشاركة نشطة من المتطوعين من جميع فئات المجتمع (أفراد وأسر، مدارس ومؤسسات تعليمية، شركات ومؤسسات حكومية وخاصة) من تحقيق نمو كبير في هذه البرامج والتي لا تنعكس فوائدها على البيئة فقط، بل تتعداها إلى الاقتصاد والمجتمع ككل.
مقترحات لتعزيز العمل التطوعي
* تأسيس مجالس استشارية للشباب في المجالات التطوعية وعقد حوار بين الأجيال، لاعتراف كل جيل بالآخر ونقل الخبرات من جيل لآخر في إطار المشاركة وصنع القرار.
* الاهتمام بتنمية المهارات والقدرات لدى المتطوعين من خلال البرامج التدريبية الهادفة، وتوظيف هذه القدرات والطاقات في العمل التطوعي.
* استثارة الوعي التطوعي لدى الشباب من خلال التنشئة الاجتماعية والإعلامية والتربوية من خلال:
* الاهتمام بتنشيط دور وسائل الإعلام ومد جسور التفاهم بين القطاع التطوعي والمتطوعين من جانب وبين الإعلاميين من جانب آخر.
* التأكيد على الدور المهم الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات التعليمية (المدارس والجامعات) في تنشيط العمل التطوعي سواء من خلال المناهج الدراسية والمقررات، أو من خلال الأنشطة اللامنهجية ذات العلاقة بالبيئة والثقافة الاجتماعية.
* وضع الخدمة المجتمعية كمتطلب إجباري لطلبة الجامعات لغايات التخرج.
* الاهتمام بتوفير حوافز للمتطوعين والعمل على تكريمهم
* بناء علاقات وثيقة ومجالات تعاون قوية بين جمعيات النفع العام وبين أفراد المجتمع
* تعزيز مساهمة القطاع الخاص في دعم الجهود التطوعية.
* تعاون مؤسسات النفع العام فيما بينها وبشكل تكاملي لدعم العمل التطوعي ونشر وترسيخ روح العمل المشترك وتبادل الخبرات والمعلومات.
المشاركون
مريم يماني: عضو لجنة العمل التطوعي
فاطمة السري: جمعية نهضة المرأة في دبي
حبيبة المرعشي: رئيسة مجموعة الإمارات للبيئة
ريم عبيدات: إعلامية
ادار الندوة:
ا.د. محمد المطوع
الإعداد والتحرير:
موسى أبو عيد
التصوير:
غلام كاركر



