عرفت المجتمعات البشرية منذ القدم فكرة العمل التطوعي ومساعدة الجماعة للأفراد في انجاز أعمال خاصة بهم مثل بناء البيوت أو جني المحاصيل الزراعية وغير ذلك، وكانت طرق عملها عفوية ثم جرى تنظيم فكرة العمل التطوعي وإنشاء الجمعيات الخاصة بها. والتي تقدم خدماتها المجانية لأبناء الدولة وللمقيمين فيها على حد السواء كما يتعدى اهتمامها ليصل المحافظة على البيئة ونشر التوعية في مختلف مجالات الحياة.

وحدة الدراسات في «البيان» عقدت ندوة بعنوان «المرأة والعمل التطوعي في دولة الإمارات العربية المتحدة.. عطاء بلا حدود» دعت لها مجموعة من رائدات الحركة التطوعية وذوي الاختصاص والإعلاميات لمناقشة واقع العمل التطوعي في الدولة ومدى المنجزات المادية والمعنوية التي تم تحقيقها والمشاكل التي تعترض طريقها نحو تحقيق رسالتها السامية، وذلك وفق المحاور التالية: المحور الأول: بدايات العمل التطوعي في الإمارات والصعوبات التي واجهت المراحل الأولى.

المحور الثاني: طبيعة عمل الحركة التطوعية ومنجزاتها العملية والتنسيق مع المؤسسات الحكومية والشعبية. المحور الثالث: طموحات الحركة التطوعية وكيفية تفعيل دورها للوصول إلى تحقيق أهدافها في تقديم أفضل الخدمات للمجتمع الإماراتي يؤمن كثيرون بان عليهم واجبا نحو المجتمع الذي يعيشون فيه يتعدى دورهم الوظيفي وان عليهم خدمة وطنهم ومجتمعهم بأقصى ما يستطيعون ولا ينتظرون أي مقابل مادي، وفي هذه الندوة أكدت المشاركات أن الانخراط في العمل التطوعي هو رد ولو لجزء بسيط من الجميل للمجتمع، ولكن علينا التوسع في نشر ثقافة العمل التطوعي وتحفيز الشباب خاصة على المشاركة في أعمال التطوع. وفي هذه الحلقة ننشر تفاصيل الجزء الأول من ندوتنا:

د.محمد المطوع: نمر في الوطن العربي بما في ذلك دولة الإمارات العربية المتحدة بمرحلة تراجع للأسف الشديد في العمل التطوعي بعكس الأمور التي كانت سائدة في عقد الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، حيث كانت معظم جمعيات النفع العام ومؤسسات المجتمع المدني شعلة من النشاط والحركة وكلها إيمان بالعمل التطوعي وخدمة المجتمع وأفراده وما دفعنا لإثارة هذا الموضوع محاولة إلقاء الضوء على أسباب تراجع الانخراط في العمل التطوعي في دولة الإمارات العربية المتحدة في بعض المجالات رغم تطور وسائل الاتصال والتثقيف العام بأهمية العمل التطوعي وبروز جيل يفترض أن يكون تشرب العطاء في العمل التطوعي خدمة للمجتمع. وما نلاحظه أن معظم المشاركات في العمل التطوعي هن من النساء ويبدو أنهن أكثر التزاما وإيمانا بالعمل التطوعي من الرجال.

البداية

مريم يماني: كانت بدايات العمل التطوعي في دولة الإمارات العربية المتحدة جيدة نظرا لوعي الدولة وتقديرها لأهمية العمل التطوعي وقيامها بسن القوانين والتشريعات لتنظيم العمل التطوعي وقيام جمعيات النفع العام، أما الصعوبات في تلك المرحلة فقد تركزت في قلة الخبرة في هذا المجال وكذلك ضعف أداء وزارة العمل والشؤون الاجتماعية آنذاك مع جمعيات النفع العام وعدم رفد هذه الجمعيات بالخبراء الذين يمكنهم الدفع بتطوير جهود العمل التطوعي.

من ناحية ثانية شهدت تلك البدايات تباينا في المستوى الثقافي والتعليمي بين أعضاء مجالس إدارات جمعيات النفع العام، حيث كانت تضم مجالس الإدارة أعضاء على مستوى عال من التعليم وأعضاء آخرين متواضعي التعليم ولم يرتقوا إلى المستوى المطلوب للعمل التطوعي وهذا أدى إلى ضعف الأداء، كما عانت تلك الفترة من قلة المنخرطين في هذا المجال.

وذلك بسبب عدم فهم المجتمع في ذلك الوقت بأهمية العمل التطوعي المنظم، حيث كان العمل التطوعي آنذاك على السجية حيث كان يشارك الجميع في حالة مواجهة بعض الصعوبات، واحتاج الأمر إلى بعض الوقت للتمهيد لنشر التوعية بأهمية العمل التطوعي، إضافة إلى ذلك فقد واجهت المراحل الأولى صعوبة في وجود المقرات الدائمة والمناسبة، حيث كانت الجمعيات تقوم بالصرف على المقرات من دخلها القليل، وبعد الانخراط في العمل التطوعي بدأت تظهر بعض الصعوبات بين الأفراد العاملين في الجمعيات وذلك بسبب الصراعات والتحزب التي كانت تضعف من قوة العمل وتؤخر تقدمه.

فاطمة السري: عندما عشنا في فترة السبعينات والثمانينات كنا نحس بالعمل التطوعي حتى ونحن في المدارس ولم يعلمنا احد ما الذي يعنيه التطوع ولم تعقد لنا الدورات كما هو الحال اليوم وما كان يحركنا هو حبنا للعمل التطوعي ولخدمة الناس، وعندما ظهرت الجمعيات والنوادي انخرط عدد كبير من الناس في العمل التطوعي، وأصبح المتطوعون متواجدين باستمرار في الصباح والمساء ولكن هذه الأيام ورغم التواصل الإعلامي وتقدم الاتصالات والدورات إلا أن حب التطوع أصبح اقل لان الحياة المادية طغت علينا، وإذا لم يكن حب التطوع نابعا من الذات فلن يحقق الغرض المنشود منه.

ريم عبيدات: لا تختلف حركة التطوع في الإمارات عنها في معظم البلدان العربية الأخرى، وقد نشأت في أسرة محبة للعمل التطوعي وبشكل عام فقد نشأ العمل التطوعي بفضل اهتمام بعض الناشطين وعنايتهم بقضايا المجتمع وفسحة الحياة والوقت اذي كان يوفره العمل الوظيفي آنذاك ونظرا لقلة الخبرات الحكومية ووجود الفراغ في مجال العمل التطوعي فقد دفع هذا الأمر مجموعة من الناشطين لتغطية هذا النقص والانتباه للقضايا الاجتماعية والفكرية وبعد عقدين من العمل بدأت حركة التطوع تواجه تحديات الاستمرار في العمل والتمويل والتنظيم والقيادة والإدارة .

كما جرى إضفاء شيء من الوجاهة والأهمية على العاملين في مجال العمل التطوعي مما جعلهم مثار حسد من الآخرين، وهذا أدى إلى انخلاع العمل التطوعي من جانبه الخير إلى طريق الزعامة والوجاهة. ويمكن القول إن العمل التطوعي بدا ناشطا وبسيطا ونقيا في فكرته لكنه أدخل في أنفاق هامشية وخلفية ولم يتأسس العمل التطوعي فلم تشتغل عليه لا الحكومات بصورة مهنية ولا يستطع المجتمع إدارته بكفاءة كما نرى في الدول المتقدمة.

زخم ومنافسة

د.محمد المطوع: كان العمل التطوعي في مجتمع الإمارات موجودا قبل قيام الدولة الاتحادية وبعد قيام الدولة وضعت تصورا لتنظيم حياة المجتمع ومن ضمن ذلك العمل التطوعي ومؤسسات المجتمع المدني، وقد طرحت فكرتان أساسيتان آنذاك، الأولى فكرة إنشاء نقابات على غرار ما هو موجود في بعض الدول العربية والغربية أو إن يكون هناك بديل آخر وبعد مناقشات مطولة تم التوصل لحل وسط تمثل بإنشاء جمعيات النفع العام .

وهي عبارة عن مؤسسات مجتمع مدني متخصصة سواء المتصل منها بالعمل الخيري أو العمل المهني مثل الأطباء والمعلمين والمحامين والأدباء والاجتماعيين وغيرهم وفي تلك الفترة كان الحماس كبيرا لتقديم الخدمات للمجتمع والانخراط في هذه الجمعيات وكان الزخم يلاحظ عند إجراء الانتخابات لمجالس الإدارات للجمعيات وكان التنافس كبيرا عكس ما هو الواقع اليوم وفي السبعينات والثمانيات عاد اغلب أبناء الإمارات الذين كانوا يدرسون في الخارج وافتتحت جامعة الإمارات وأدى مشاركة الخريجين في جمعيات النفع العام إلى ترسيخ مفهوم العمل في هذه الجمعيات.

ريم عبيدات: كان المتعلمون هم نواة فكرة العمل التطوعي رغم أن فكرة التطوع موجودة في المجتمع العربي من إحساسنا بفكرة الخير ومن الثقافة الإسلامية والمجتمعية العربية والتي فيها فكرة التكافل والتعاضد منذ زمن بعيد كما أن المجتمع العربي له خصوصيته في دور الأسرة في تكوينه ودور مؤسساته المختلفة في بناء دوائره الاجتماعية التي تكاد تكون مختلفة عن غبرها من المجتمعات، فالمجتمع العربي افرز أشكال تطوعه منه وفيه .

ولكن بعد نشوء أجيال من المتعلمين أصبح هناك ضرورة لوجود عمل أكثر تنظيما وأكثر حرفية ومهنية لان احتياجات المجتمع بدأت تختلف لكن المشكلة أن المجتمع لم يتهيأ لنقلة نوعية في شكل أدائه التطوعي ولعل هذه هي أزمة العمل التطوعي العربي بشكل عام حيث بدا بمبادرات لم يتم دعمها حكوميا فلذلك بدأت تباشير الشرذمة المبكرة.

د.محمد المطوع: في الوطن العربي حدث خلط بين جمعيات المجتمع المدني كمؤسسات جمعيات النفع العام وبين الأحزاب والتنظيمات السياسية وهذا الخلط اضر بالعمل التطوعي وربما أن الظاهرة الصحية تكون في عدم هيمنة طرف على آخر مختلف عنه فكريا وهذا ما لاحظناه في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات حيث لم يتأثر بالأفكار المختلفة للأعضاء فجمعيات النفع العام جزء من مؤسسات المجتمع المدني ويجب أن لا تقع تحت طائلة أي حزب سياسي لان الأحزاب السياسية لها موضوعات تختلف عن مواضيع جمعيات النفع العام .

أما إذا تم الخلط فمعنى ذلك تغلب طرف على آخر وعندها سينسحب الطرف الخاسر. مريم يماني: عند مقارنة العمل التطوعي في بداياته في دولة الإمارات العربية المتحدة مع مثيلاتها في الدول العربية الخليجية فقد كانت اغلب المؤسسات التي نشأت في السعودية جمعيات خيرية ولكنها استطاعت مع الجمعيات النفعية إثبات نفسها عبر خطوات صحيحة ومنظمة وأظهرت نتائج ملموسة .

وفي الكويت كانت الرؤية بالنسبة للجمعيات أفضل حالا منها عندنا مع أن المناخ في الإمارات كان متوفرا لتثبت جمعيات النفع العام نفسها وتعطي نتائج جيدة ولكن ظهرت بعض جوانب القصور، حيث تعاملت جمعيات النفع العام في الدول العربية الخليجية مع العمل التطوعي بحرفية أكبر والاحتراف احد أسباب نجاح العمل أما في البحرين فقد كانت الجمعيات فيها ضرورة اجتماعية سبقت في وجودها حتى التشريعات القانونية.

فاطمة السري: عندما بدأت جمعيات النفع العام في دولة الإمارات العربية المتحدة كان العمل التطوعي في هذه الجمعيات بدون مقابل أما اليوم فان المتطوع يرفض عمل أي شيء بدون الحصول على مقابل مادي لذلك اضطرت الجمعيات مع بداية التسعينات لتعيين بعض الأفراد في الوظائف برواتب حتى تضمن الاستقرار والاستمرار في أعمالها وهذا كان احد أسباب نقص عدد المتطوعين والذين برروا عدم انخراطهم في العمل التطوعي بوجود موظفين يعملون في هذه الجمعيات.

د.محمد المطوع:إذا دخلنا في موضوع المقارنة بين العمل التطوعي في الدول العربية الخليجية فان اقرب مثال للعمل التطوعي في الإمارات هي التجربة في الكويت وكان هناك اتفاق حتى على دور الجمعيات النسائية وضرورتها لتطوير المجتمع وكان الحماس لهذه الجمعيات النسائية كبيرا لقيامها بحملات محو الأمية وكل ما له علاقة بالشؤون الأسرية .

ولعل التجربة السعودية مختلفة تماما عن تجارب الدول الخليجية الأخرى فيما كان طابع التجربة في البحرين أكثر وعيا نظرا لأخذها الجانب الفكري منذ الخمسينات أما في الإمارات فقد كان الهدف الرئيسي من هذه الجمعيات المساهمة في التنمية بحيث لا تبقى عملية التنمية فقط على عاتق الحكومة ولذلك كانت بعض هذه الجمعيات تقيم عمليات تدريب لأعضائها وكان دور هذه الجمعيات مكملا لدور الدولة في ذلك الوقت.

مفهوم العمل التطوعي

حبيبة المرعشي: يمكن تعريف التطوع بأنه أي خدمة يقدمها الإنسان للمجتمع خارج إطار عمله بدون انتظار أي فائدة أو مقابل مادي. ويشكل التطوع طريقة فعالة في توظيف قدرات الفرد واستثمارها في خدمة المجتمع. ولا يكون العمل تطوعياً ما لم يستند على القناعة الشخصية للمتطوع واختيارية وحرية القيام بالعمل. وتشكل القيم والأخلاق عاملاً معنوياً ونفسياً مهماً للقيام بالتطوع.

المشاركون

مريم يماني: عضو لجنة العمل التطوعي

فاطمة السري: جمعية نهضة المرأة في دبي

حبيبة المرعشي: رئيسة مجموعة الإمارات للبيئة

ريم عبيدات: إعلامية

ادار الندوة:

ا.د. محمد المطوع

الإعداد والتحرير:

موسى أبو عيد

التصوير: غلام كاركر