التاريخ ليس مجرد حكايات وقصص تروى بغرض التسلية، ولكنه سجلٌ حافلٌ بالأحداث التي قد تعيد نفسها، وبالتالي فإن جزءًا كبيرًا من حلول مشاكل الأمة الإسلامية الراهنة يكمن في التعرف على تاريخنا الإسلامي والاستفادة منه.. من هذا المنطلق جاء الحوار مع د.أحمد يسري عبدالله - أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية دار العلوم جامعة القاهرة والذي ألقى الضوء على العديد من القضايا الفكرية ذات الأبعاد التاريخية.
تجديد (الخطاب الديني) دعوة يراها البعض حقا يراد به باطل، وآخرون يرونها ضرورة لمواكبة العصر، ما رأيك؟
الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني سلاح ذو حدين، بمعنى الفجوات التي تفصل بين الخطاب الديني من ناحيته، وبين روح العصر والمستجدات في مختلف المجالات التي تستلزم تجديدًا للخطاب الديني، ونحن نرحب بذلك شريطة الاحتفاظ بالثوابت الدينية، ومع ذلك فإن هذه الدعوة قد تستخدم بشكل عكسي يوجه للنيل من الإسلام من خلال تعديل بعض الأحكام الشرعية لملائمة الأفكار الغربية؛ سواء كانت شيوعية أم رأسمالية.
برأيك، كيف يمكن توجيه دعوة تجديد الخطاب الديني إلى طريقها الصحيح؟
من الضروري أن يأتي تجديد الخطاب الديني في إطار الالتزام بالثوابت الإسلامية على أن يكون قادرًا على صياغة طرق ووسائل يمكن من خلالها مواجهة التحديات العصرية التي تأتينا من الخارج.
ما أسباب هذه الفجوة بين الخطاب الديني وروح العصر الذي نعيشه؟
أعتقد أن السبب الرئيسي في هذه الفجوة يرجع إلى القائمين بالخطاب الديني أنفسهم، والذين لم يحصلوا على القدر الكافي من الثقافة الفكرية والإسلامية المتميزة واكتفوا بما حصلوا عليه من كلياتهم الدينية، وهم في نفس الوقت أيضاً لم يتابعوا التطورات العالمية على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وبالتالي أوجد ذلك فجوة كبيرة بين الخطاب الديني وبين القضايا التي نعيشها اليوم، وأصبحنا في حاجة إلى خطاب ديني جديد يستوعب روح العصر بما لا يتعارض مع ثوابت الدين.
في ظل الأزمات المتلاحقة التي تمر بها الأمة الإسلامية، هل هناك دور للتاريخ للخروج من هذا النفق المظلم؟!
أؤكد أنه لا يوجد سبيل لنجاة الأمة الإسلامية من تخلفها، ومن الأزمات التي تكاد تخنقها سوى اهتمامها بتاريخها، والاستفادة منه، وتطبيقه في العصر الراهن، فالتاريخ الإسلامي مليء بالإنجازات، والحضارة الإسلامية دون غيرها من الحضارات كانت حضارة إنسانية عظيمة، وإن كانت بها سلبيات فإنها لا تخل بعظمتها، وبالتالي فإن اهتمامنا بتاريخنا الإسلامي وبتلافينا للأخطاء التي وقع فيها حكامنا المسلمون السابقون سيجعلنا نتقدم ونخرج من حالة التراجع التي نعيشها اليوم على كل الصُعد.
ولكن كيف تتحقق هذه الاستفادة المثلى من التاريخ؟
علينا دراسة التاريخ كما هو بعيدًا عن الأكاذيب التي يروجها البعض عن بعض الأحداث أو الشخصيات؛ فهناك روايات صحيحة، وهناك روايات أخرى غير صحيحة، وهذا يتطلب وجود منهج موحد لكتابة التاريخ الإسلامي يقوم على إتقان الحصول على المعلومة، والتأكد منها، وتقديمها بشكل جيد، وهذا لن يتحقق إلا من خلال العمل على محورين، الأول: تشجيع المؤسسات العلمية، ومراكز البحث المتخصصة في الدراسات التاريخية، وكذلك المؤرخين الموثوق بهم لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي، والثاني: عرض ما يتم التوصل إليه من نتائج وأبحاث تاريخية من خلال وسائل الإعلام المختلفة حتى تصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وهذا الأمر - بالطبع - لن يحدث بين يوم وليلة، وإنما يحتاج إلى جهد ضخم، وإمكانات مادية كبيرة تساعد على إنجاز هذا العمل.
بعض المستشرقين الذين يهاجمون الإسلام يقولون إنه انتشر بحد السيف، ما رأيك؟
من ينظر بعمق في تاريخ الإسلام ودعوته وانتشاره يجد أن البلاد التي فتحها المسلمون لم ينتشر فيها الإسلام إلا بعد مدة من الزمن حيث زالت الحواجز بين الناس والدعوة، واستمعوا إلى المسلمين في جو هادئ مسالم بعيد عن صليل السيوف، وقعقعة الرماح، ورأوا من أخلاق المسلمين في تعاملهم مع ربهم، ومع أنفسهم، ومع غيرهم ما يحببهم إلى الناس، ويقربهم من دينهم الذي رباهم على هذه المكارم والفضائل، فعلى سبيل المثال فتحت مصر في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
ولكن ظل الناس على دينهم النصراني عشرات السنين قبل دخولهم الإسلام، وقد أثبت التاريخ أن كثيرًا من البلاد الإسلامية التي نعرفها اليوم لم يدخلها جيش مسلم، ولكنها دخلت في الإسلام بتأثير التجار وغيرهم من الناس الذين لم يكونوا علماء، ولا دعاة محترفين، وإنما أحبهم الناس لما رأوا فيهم من صدق الإيمان، وحسن الخلق، وعن طريق هؤلاء انتشر الإسلام في دول مثل ماليزيا وإندونيسيا والفلبين وغيرها، وهناك بلاد كثيرة في إفريقيا انتشر فيها الإسلام عن طريق الطرق الصوفية، وعن طريق الاحتكاك بالتجار المسلمين، والتأثر بسلوكياتهم وأفكارهم.
على مدار التاريخ الإسلامي، هل كان هناك صراعٌ بين الدين والعلم؟
العلم والدين في الحضارة الإسلامية كانا متعانقين وغير متصارعين، وكان يتفقان، ولا يختلفان، فالدين عندنا علم، والعلم عندنا دين، ولهذا لم يقم طوال التاريخ الإسلامي ما قام عند الأوروبيين في عصورهم الوسطى من صراع تأججت ناره بين العلم والدين، في الوقت الذي كان فيه طلاب العلم من المسلمين يدرسون العلوم الكونية من الطب والهندسة والفيزياء والفلك، واعتبر ذلك علماء المسلمين فرض كفاية على الأمة؛ بمعنى أنه إذا قام به عدد كاف يلبي الحاجة في كمه ونوعه رفع عنها الإثم، وإن لم يقم أثمت الأمة كلها، ونتيجة لذلك كان من المنطقي أن يتتلمذ الأوروبيون على أيدي العلماء المسلمين، وأن يقتبسوا منهم، وأن ينقلوا عنهم، وهذا ما اعترف به المؤرخون والباحثون المنصفون من الغربيين.
برغم ذلك فإن الهجوم الغربي على الإسلام وحده زاد في السنوات الأخيرة، ما تفسيرك؟
للأسف، العالم الغربي لا تزال تسري في جنباته بقايا الروح الصليبية القديمة، وإن ظهرت في ثوب جديد، وبأسلوب جديد، وقد اشتركت في ذلك المسيحية الغربية بكل أطيافها ومذاهبها، وقد تجلى ذلك فيما سمي «الحرب ضد الإرهاب»، كما تجلى ذلك أيضاً في التضييق على العمل الخيري في كل مكان، وعلى الدعوة الإسلامية في أنحاء العالم، وعلى مسلمي أوروبا وأميركا، وأبرز مثال لذلك قضية الحجاب في فرنسا.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
